مجموعة مؤلفين
44
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
خفاء حينا ، وقد يكون الرمز سبيلها إلى الجلاء بعد الخفاء حينا آخر . ومهما يكن من شئ فإن حظ الكلام المرموز عند ابن عربى يتفاوت بتفاوت القرائن والبينات التي توجد في سياق هذا الكلام من ناحية ، كما يتوقف على مبلغ ما وفق إليه الباحث المحقق ، والدارس المدقق ، من قدرة على تذوق ما هو بسبيل درسه وبحثه من كلام الشيخ الأكبر من ناحية أخرى ، وذلك فضلا عما ينبغي أن يتوفر لديه من المهارة واللباقة في الملاءمة بين الرموز والإشارات ، وبين المعاني التي تعنيها ، والمدلولات التي تنطوى فيها من ناحية ثالثة . وليس من شك في أن من ينظر في كلام ابن عربى المرموز نظرة سطحية لأول وهلة لا تعمق فيها ولا تذوق ، سيبدو له هذا الكلام الفياض في ثوبه الرمزى الفضفاض ، وكأنه ثمرة من ثمرات الحياة التي كان يحياها صاحبها سابحا في عالم الخيال ، أو شاطحا لما كان يعانيه من أحوال الخبال ، أو أنه ألفاظ وعبارات قد أضفى عليها كاتبها أثوابا من الرموز والإشارات ، ورص بعضها إلى جانب بعض ، فكان منها هذا الحديث الطويل المسهب ، أو ذاك الحديث القصير المقتضب ، الذي يلوح أحدهما أو كلاهما وكأنه لا ضابط له ، ولا رابط بينه ، وقد يسرف أحيانا في حكمه فيزعم أنه لغو خلو من أي معنى فلا وراءه طائل ، ولا فيه غناء ، ولو قد اصطنع قليلا أو كثيرا من التريث والتؤدة فضلا عما ينبغي أن يكون له من ملكات الفهم والتأويل والتعليل والملاءمة بين القرينة والبينة ، وبين ما هي قرينة له وبينة عليه ، لعدل عن فهمه ، وعدل في حكمه ، وكان عن الإسراف أبعد ، وإلى الإنصاف أقرب . لقد خلف ابن عربى فيما خلف من مصنفات تألف منها تراثه الروحي الضخم الرائع ، كتابا بلغ فيه غاية الإلغاز ونهاية الإغراب حتى لا يكاد أن يتحدث عن موضوع من الموضوعات ، أو مشكلة من المشكلات ، إلا رمزا ، وإغرابا ؛ وليس أدل على إمعانه في هذا الإغراب وذلك الرمز من أنه أطلق على هذا الكتاب اسم ( عنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب )