مجموعة مؤلفين
42
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
الرجال الذين من جنسهم ، ورأوا في زعمهم أنهم من أهل اللّه بما علموا وامتازوا به عن العامة ، حجبهم ذلك عن أن يعلموا أن للّه عبادا تولى اللّه تعليمهم في سرائرهم بما أنزله في كتبه وعلى ألسنة رسله ، وهو العلم الصحيح عن العالم المعلم الذي لا يشك مؤمن في كمال علمه ، ولا غير مؤمن . . . ولما رأى أهل اللّه أنه قد اعتبر الإشارة ، استعملوها فيما بينهم ، ولكنهم بينوا معناها ، ومحلها ووقتها ، فلا يستعملونها فيما بينهم ، ولا في أنفسهم ، إلا عند مجالسة من ليس من جنسهم ، أو لأمر يقوم في نفوسهم . واصطلح أهل اللّه على ألفاظ لا يعرفها سواهم إلا منهم ، وسلكوا طريقة فيها لا يعرفها غيرهم . . . ولا يتكلمون بها إلا عند حضور الغير ، أو في تآليفهم ومصنفاتهم لا غير . . . » ( ابن عربى : الفتوحات المكية : ج 1 ، ص 278 - 281 ) . وهاهنا يتبين مع ابن عربى ماذا يعنى بقوله في الأبيات الثلاثة السابقة إن علم الإشارة تقريب وإبعاد من ناحية ، وماذا يعنى بقوله في أول تعقيبه على تلك الأبيات إن الإشارة عند أهل طريق اللّه تؤذن بالبعد أو حضور الغير من ناحية أخرى ، ويتبين أيضا ماذا يعنى ابن عربى وأشباهه من الصوفية بعلم الإشارة ، وما حكم هذا العلم بين أهل الظاهر من الرسوم ، وأرباب الباطن من الحقائق ، وما حكم أولئك على هؤلاء ، وما منزلة هؤلاء من أولئك . ولعلنا لو سألنا ابن عربى هنا : ما هي السبيل إلى فهم إشارات الصوفية ، وتذوق علمهم في هذه الإشارات ، لما وجدنا إجابة خيرا من تلك التي يشتمل عليها حديثه الرمزى الممتع الذي ، وإن كان في جملته ملغزا ، وفي بعض رموزه غامضا ، إلا أنه لا يخلو من متعة ووضوح في سياق ألفاظه ومبانيه ، وفي أكثر أفكاره ومعانيه ، وذلك على الوجه الذي يصور فيه ما دار من حديث وحوار بين رسول التوفيق والسالك حيث يقول : « قال ( رسول التوفيق ) ولما سألت عن غاية لا تدرك ، وصفة لا يحاط بها علما ولا تملك ، تعين على أن ألوح لك منها على مقدار فهمك ، وأوقفك