مجموعة مؤلفين
41
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
الذين تميزوا عن غيرهم من علماء الظواهر والرسوم بعلم الإشارة الذي يحدثنا عنه ابن عربى في هذه الأبيات من النظم فيقول : - علم الإشارة تقريب وإبعاد * وسيرها فيك تأويب وإسآد فابحث عليه فإن اللّه صيره * لمن يقوم به إفك وإلحاد تنبيه عصمة من قال الإله له * كن فاستوى كائنا والقوم أشهاد ويعقب عليه بما يكشف عن حقيقة رموزه وإشاراته المنطوية على كنوزه وآياته فيقول : « . . . إن الإشارة عند أهل طريق اللّه تؤذن بالبعد أو حضور الغير . . . وما خلق اللّه أشق ولا أشد من علماء الرسوم على أهل اللّه المختصين بخدمته ، العارفين به من طريق الوهب الإلهى ، الذين منحهم أسراره في خلقه ، وفهمهم معاني كتابه ، وإشارات خطابه ، فهم لهذه الطائفة مثل الفراعنة للرسل عليهم السلام . ولما كان الأمر في الوجود الواقع على ما سبق به العلم القديم كما ذكرناه ، عدل أصحابنا إلى الإشارات ، كما عدلت مريم عليها السلام من أجل أهل الإفك والإلحاد إلى الإشارة . فكلامهم رضى اللّه عنهم في شرح كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إشارات ، وإن كان ذلك حقيقة وتفسيرا لمعانيه النافعة ، ورد ذلك كله إلى نفوسهم مع تقريرهم إياه في العموم ، وفيما نزل فيه كما يعلمه أهل اللسان الذين نزل ذلك الكتاب بلسانهم ، فعم به سبحانه عندهم الوجهين ، كما قال تعالى : « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ » . ( القرآن الكريم : سورة فصلت ، آية 53 ) ، يعنى الآيات المنزلة في الآفاق وفي أنفسهم . فكل آية منزلة لها وجهان : وجه يرونه في نفوسهم ، ووجه آخر يرونه فيما خرج عنهم ، فيسمون ما يرونه في نفوسهم إشارة ، ليأنس الفقيه صاحب الرسوم إلى ذلك ، ولا يقولون في ذلك إنه تفسير ، وقاية لشرهم وتشنيعهم في ذلك بالكفر عليه ، وذلك لجهلهم بمواقع خطاب الحق . . . ولكن علماء الرسوم لما آثروا الدنيا على الآخرة ، وآثروا جانب الخلق على جانب الحق ، وتعودوا أخذ العلم من الكتب ، ومن أفواه