مجموعة مؤلفين

40

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

تعالى : « أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها ، فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ، كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ ، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً ، وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ، كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ » ( القرآن الكريم : سورة الرعد ، آية 17 ) » ، ومفسرا الزبد بأنه كالباطل ، وما ينفع الناس الذي يمكث في الأرض بأنه مثل للحق ، ومستشهدا مرة أخرى بقول اللّه تعالى لنبيه زكريا عليه السلام : « أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً » ( القرآن الكريم : سورة آل عمران ، آية 41 ) ، ومفسرا للكلام رمزا بالكلام بالإشارة ، وكذلك ما ورد في قصة مريم من قوله عز وجل : « فَأَشارَتْ إِلَيْهِ » ( القرآن الكريم : سورة مريم ، آية 29 ) ، فإن الإشارة هنا قد كانت لما نذرت مريم للرحمن أن تمسك عن الكلام : ( ابن عربى : الفتوحات المكية ، ج 1 ، ص 189 ) . ومثل الحديث الشريف كمثل القرآن الكريم في الرجوع إليه ، والاستشهاد به ، فيما يؤيد به ابن عربى منهجه في الرمز والإشارة ، وذلك على نحو ما يستشهد به في هذا المقام من قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العالمون باللّه » . وعلى هذا النحو من فهم القرآن والحديث ، ومن رد الرموز والإشارات إليهما ، ومن تدعيم ابن عربى لمنهجه ومذهبه بهما ، يمضى الشيخ الأكبر في كثير من مصنفاته الطوال والقصار ، لا سيما في كتابه الجليل ، وهو ( الفتوحات المكية ) الذي يعد بحق أعظم هذه المصنفات وأجلها شأنا ، وأبعدها أثرا ، وذلك لما اشتمل عليه من ألوان العلم ، وضروب الفهم ، ومسالك العمل ، ولما اصطنعه في التعبير عن هذا كله من رموز وإشارات ، صاغها تارة نثرا ، وتارة أخرى نظما ، في أبيات من هذا النظم ، وفي عبارات من ذلك النثر ، وهي وإن بدت في ظاهرها كذلك ، إلا أنها قد انطوت في باطنها على كنوز من الحقائق التي لا سبيل إلى كشفها إلا لمن كان من أقطابها ، ولا قدرة على ذوقها إلا لمن هو من أربابها ، وهؤلاء هم