مجموعة مؤلفين

29

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

باطن ، والثلج غير الماء في ظاهره وعين الماء في حقيقته . ويرى الجيلى أن الوجود المطلق عندما يخرج عن إطلاقه يمر بثلاث مراحل هي أشبه شئ بالتطور الذاتي في طريق خروج الذات إلى مسرح الوجود الظاهر ، أو مسرح التعينات أو التجليات ، الأولى مرحلة الأحدية ، والثانية مرحلة الهوية ، والثالثة مرحلة الإنية . وفي المرحلة الأولى تكون الذات معراة عن جميع الاعتبارات والنسب والإضافات والأسماء والصفات ولكنها ، تتصف بالأحدية ، ولهذا ينزل حكمها عن السذاجة والإطلاق . ومعنى هذا أن الوحدة أول مراتب التعين أو مراتب التنزل . وفي المرحلة الثانية ، أو التجلي الثاني ، يشار إلى الذات الواحدة بضمير الغائب « هو » . والمرحلة الثالثة هي مرتبة ظهور الذات في صور الموجودات : وهي مرتبة تجلى الحق في صور الخلق ، وانقشاع ظلمة الوجود المطلق بإشراق اسم « اللّه » الذي هو هيولى الكمالات المودعة في الألوهية . فما كان من هذه الكمالات موجودا في الألوهية بالقوة يصبح موجودا بالفعل ، وما كان معقولا يصبح متعينا . 12 - إلى هذا يقع عبد الكريم الجيلى وقوعا تاما تحت تأثير ابن عربى ، ويلخص مذهبه في وحدة الوجود ، ولكنه يبدأ في الاستقلال عن أستاذه عندما يستخدم هذه النظريات الأنطولوجية في بناء نظريته في « الإنسان الكامل » الذي هو المقصود بالذات من كتابه . وخلاصة هذه النظرية أن الإنسان هو المظهر الخارجي الكامل للّه ، والموجود الذي خلقه اللّه على صورته ، والمرآة التي يرى الحق فيها صفاته وأسماءه . فهو لهذا مستودع الكمالات الإلهية التي توجد فيه مجتمعة وتظهر في غيره من الكائنات متفرقة . والفرق بين إنسان وآخر فرق في الدرجة لا في النوع ، ففي الناس من هو كامل بالقوة ومنهم من هو كامل بالفعل . وأكمل الناس على الإطلاق الأنبياء والأولياء وعلى رأسهم النبي محمد - أو الحقيقة المحمدية التي تظهر بصور الأنبياء والأولياء . ولا يصل الإنسان إلى مرتبة « الإنسان الكامل » إلا إذا تم معراجه الروحي إلى الذات الإلهية - أو الموجود المطلق - وفي هذا المعراج يمر بثلاث مراحل