مجموعة مؤلفين

28

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

إلى وجود واحد منظور إليه باعتبارين ، فإذا نظرت إليه من جهة الذات قلت هو الحق ، وإذا نظرت إليه من جهة الصفات والأسماء قلت هو الخلق ؛ والذات عين الصفات والأسماء . والركن الثالث من أركان نظرية الوجود في طبيعة الوجود هو الأسماء الإلهية . وهو يعرف الاسم مطلقا بأنه ما يعين المسمى في الفهم ، ويصوره في الخيال ، ويحضره في الوهم ، ويدبره في الفكر ، ويحفظه في الذكر ، ويوجده في العقل سواء أكان المسمى موجودا أو معدوما ، حاضرا أو غائبا . ونسبته إلى المسمى نسبة الظاهر إلى الباطن . فهو بهذا الاعتبار عين المسمى . ولا سبيل إلى معرفة الحق سبحانه إلا من طريق أسمائه وصفاته التي هي الخلق . يقول الحديث القدسي : « كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فبه عرفوني » . والاسم « اللّه » هيولى الكمالات كلها ، ولا يوجد كمال إلا وهو تحت فلك هذا الاسم . وليس لكمال اللّه نهاية ، لأن كل كمال يظهره الحق من نفسه فإن له في غيبه من الكمالات ما هو أعظم . والخلق جميعهم مظاهر للكمالات الإلهية ، أو هم على حد تعبير الجيلى « عرش الذات » . وللألوهية عنده مفهوم خاص : فهي جميع حقائق الوجود التي هي أحكام المظاهر مع الظاهر ، أعنى الحق والخلق هي بعبارة أخرى - الحقيقة التي تشمل جميع المراتب الإلهية والكونية ، وتعطى كل ذي حق حقه من الوجود « 1 » ، وهي أعلى مظاهر الذات . ولكل من الحق والخلق ظهور في الألوهية : فظهور الحق في الألوهية يكون في أعلى مرتبة . وظهور الخلق في الألوهية يكون على حسب ما يستحقه الخلق من تنوعاته وتغيراته وانعدامه ووجوده . للألوهية ، إذن وجهان ، ظاهر وباطن ، وظاهرها هو الخلق ، وباطنها هو الحق ، والفرق بين الاثنين كالفرق بين الثلج والماء : فالثلج ظاهر والماء

--> ( 1 ) الإنسان الكامل ، ص 23 .