مجموعة مؤلفين
378
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
الأحداث والظواهر ، وهي جزئيات تفسرها جزئيات أخرى ، وهدفه الأسمى ، كما لاحظ هيجل بحق - إنما هو الكلى ، أو الكل في جلاله وجماله « 1 » وكل ما حرص عليه هو أن ينفى الشر عن الكون ، لأن وجود الشر فيه يتنافى مع الكمال الإلهى . وحرص أيضا على أن يقرر أنه خاضع للضرورة ، خضوع الأوامر الإلهية نفسها . ومن الغريب أن يقال مع هذا إنه من أنصار المذهب المادي أو الطبيعي . حقا أنه عد الامتداد إحدى صفتي الجوهر الأوحد ، ولكنه كما قدمنا امتداد فكرى لا نهائي . فهو بهذا يرفض المادة والصورة اللتين قال بهما أرسطو ، ولا يقبل الجسم والامتداد على نحو ما صورهما ديكارت . أما الطبيعة فقد ردها إلى اللّه ، ولا ننسى أنه أخذ عليه أثناء حياته أنه يخلط بين اللّه والطبيعة ، والحق أن ليس ثمة طبيعة يسلم بها إلا الطبيعة الإلهية . فهو من أولئك المؤلهيين الذين أشاعوا الروح الإلهية في الوجود كله ، فلا يرون إلا ما هو إلهي وعلوي . ( ج ) خاتمة لا نظننا في حاجة ، بعد ما تقدم ، أن نشير إلى أنه قل أن نجد توافقا في الرأي إلى هذا الحد ، حتى بين الأستاذ وتلميذه . فأبن عربى واسبينوزا يعتنقان معا مذهب وحدة الوجود ، ويصور انه تصويرا يكاد يتفق في التفاصيل والجزئيات ، فصلا عن الأصول والمبادئ . فهما يقرران أن العالم شئ واحد ، وأنه هو اللّه جل شأنه ، ويقولان بواحدية لا تعدد فيها ولا كثرة ، ولا خلق ولا صدور ، ويقولان في الوقت نفسه بألوهية شاملة تستوعب الكون كله ، فكل الأشياء في العالم واحد ، واللّه هو الكل في الكل . وهذا العالم خاضع « لقانون الوجود العام » كما قال ابن عربى ، أو « لضرورة الطبيعة الإلهية » كما قال اسبينوزا ، فلا تخلف فيه ولا شذوذ ، ولا عرض ولا
--> ( 1 ) Hegel , Lectures in the History of Philosophy , ( Englil trans . ) , New York , 1954 , Vol . III , pp . 257 - 258 .