مجموعة مؤلفين

379

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

استثناء . وليس فيه عيب ولا نقص ، وإنما هو خير كله وكمال كله . ومن أمتع صور هذا التلاقى فكرة الحق والخلق من جانب ، وفكرة الطبيعة الطابعة والطبيعة المطبوعة من جانب آخر ، فالحق عند ابن عربى يساوى تماما الطبيعة الطابعة التي قال بها اسبينوزا ، والخلق يساوى أيضا الطبيعة المطبوعة . ولعل الصوفي العربي كان أكثر توفيقا في تعبيره من الفيلسوف الهولندي ، وكان على كل حال أقرب إلى لغة رجال الدين والمتكلمين . فهل الأمر إذن مجرد توافق خواطر ؟ أم هناك سبيل لتأثير وتأثر ؟ يستبعد نيكلسون أن يكون بعض اليهود الأسبان قد نقل آراء ابن عربى إلى العالم الغربى « 1 » في الوقت الذي يربطه « أسين بلاثيوس » به ، ويعقد صلة بينه وبين دانتى « 2 » . ونود أن نلاحظ أن ابن عربى أسبانى النشأة ، فهو مواطن ومعاصر لابن ميمون ( 582 ه ) ، وإن توفى هذا قبله بنحو 35 سنة . وقد عاصر أيضا يهودا أسبانيين آخرين في عصر نشطت فيه حركة الترجمة من العربية إلى العبرية أو القشتالية ، ومن هذين إلى اللاتينية . وليس ببعيد أن يكون قد نقل - فيما نقل - شئ عن مذهب وحدة الوجود على نحو ما صوره صوفي وفيلسوف مسلم ، كان ملء سمع العالم العربي وبصره في القرن الثالث عشر الميلادي . ومما يؤسف له أن حركة الترجمة هذه لم تدرس بعد الدرس الكافي ، وإن كان الأستاذ جلسن قد وجه النظر إليها في قوة منذ أربعين سنة . ونستطيع أن نؤكد أن اسبينوزا كان أعرف منا بالفكر الفلسفي اليهودي المتوسط ، نشأ في بيئة ثقافية ودينية متخصصة ، وأفاد منها ما أفاد . فأبوه رئيس الطائفة اليهودية في أمستردام ، تلك الطائفة التي كانت تعيش في أسبانيا ، ثم رحلت عنها إلى هولنده . وأريد به أن يصبح حاخاما ، وأعد لذلك إعدادا خاصا ، فتعلم العبرية ، ودرس التوراة والتملود ، وتتبع آثار

--> ( 1 ) Nicholson , Legacy , p . 226 . ( 2 ) Asin Palacios , Actes du XVIe congre ? s intern . des Oeient . , Al - ger , 1905 , III , pp . 79 - 150 .