مجموعة مؤلفين
377
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
اللامتناهى الذي يحب اللّه به ذاته « 1 » » . وهذا هو ما يطلق عليه في الكتب المقدسة اسم المجد ، وكيفما كان الشأن ، ليس من اليسير أن نوفق بين هذا الحب ، وبين فكرة إله مطلق لا نهائي لا يريد ولا ينفعل . وفوق هذا لا سبينوزا تلك « الرسالة الإلهية السياسية » « 2 » التي نشرت في حياته واحتاط ما وسعه في نشرها ، خشية أن تجرّ عليه سخطا أو نقمة ، ولم يسلم من ذلك . ويذهب فيها إلى أن الدين ضرورة من ضرورات المجتمع ، ذلك لأن عامة الناس تعجز عن الكشف عن أوامر اللّه بأنفسهم . وفي الكتب المقدسة وحى وهداية ، ومهمة النبي تعليم الفضيلة الحقة . وجوهر الشريعة الإلهية معرفة اللّه ومحبته ، ومن الناس من يدرك ذلك بنفسه ويصل إليه بعقله ، ومنهم من لا يقوى عليه . فنحن في حاجة إلى الدين حاجتنا إلى الفلسفة ، ولكل أهله ورجاله ، ومن الحكمة ألا نخلط بينهما . وهذا ضرب من التوفيق بين الفلسفة والدين ، بين العقل والنقل ، وما أشبهه بذاك الذي ذهب إليه ابن رشد ( 593 ه ) بين مفكري الإسلام . ولا شك في أن فكرة الألوهية الدينية تختلف عن تلك الفكرة التي انتهى إليها مذهب وحدة الوجود ، فهل الأمر هنا أيضا - كما ذهب ابن عربى من قبل - أمر عقيدة العوام وعقيدة الخواص ؟ إن صح ذلك فليس ثمة تعارض - كما ظن - بين كتاب « الأخلاق » « والرسالة الإلهية السياسية » ، بل هما متكاملان يتمم أحدهما الآخر . أما الطبيعة المطبوعة ، أو عالم الظواهر ، فلم تستوقف اسبينوزا طويلا ، ونظرة إلى كتاب « الأخلاق » كافية في إثبات ذلك ، فأجزاؤه الخمسة موقوفة كلها على اللّه والإنسان ، ولا ذكر لعالم الظواهر فيها إلّا عرضا وفي إشارات قصيرة ، إن استثنينا الكلام عن الإنسان . ولم تشغل اسبينوزا مطلقا مشكلة وجود العالم ، وهو لا وجود له في رأيه ، وإنما هو مجرد أحوال للصفات الإلهية . وإذن لا محل لوجود أو عدم ، ولا لخلق أو إبداع . ولم يقف عند
--> ( 1 ) Spinoza , Ethique , V . 38 . ( 2 ) Spinoza , Ibid .