مجموعة مؤلفين
376
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
التعيين ، والتعيين في رأيه سلب . فليس لإلهه قدرة ولا إرادة ، ولا يفعل ما يفعل لعلّة أو غاية ، وإنما تصدر الأشياء عنه وفق ضرورة أزلية وحتمية ثابتة . « لا شئ في الكون عرضى ، بل كل شئ يتحدد وجوده على نحو معيّن وفقا لضرورة الطبيعة الإلهية » « 1 » . ولا يمكن أن يقال إن اللّه كان يستطيع أن يريد غير ما أراد ، أو أن يفعل خيرا مما فعل . « ومن الواجب رفض حرية المشيئة الإلهية ، لا لأنها عقيمة ، بل لأنها أيضا عقبة كأداء في طريق المعرفة » « 2 » . فالقول بالضرورة عنده أليق بالكمال الإلهى من الحرية المطلقة ، وإن كان لا يرضى رجال الدين ، وفيه ما يذكرنا بفكرة الصلاح والأصلح التي قال بها المعتزلة . وما دام الكل يخضع لضرورة صارمة ، فلا محل لثواب أو عقاب ولا لحساب أو مسؤولية . وكم عاب اسبينوزا على اللاهوتيين طريقتهم التقليدية التي تصور الإله على غرار الإنسان ، فهو يرفض رفضا بتا التشبيه والتجسيم ، ويقول بإله مطلق لا نهائي . ولكنه من ناحية أخرى يتحدث عن الحب الإلهى الذي يعده ملاذ الإنسان ، وصخرة النجاة ، وسبيل الخلاص والسعادة . وطريقه الإدراك والمعرفة ، فنحن ندرك ذاتنا ، وندرك النظام الكلى ، وما إدراكنا إلا جزء من العلم الإلهى ، وفيه سرور يملأ النفس بهجة لا حد لها ، وتلك هي محبة اللّه ، بل هي الخلود الأبدي ، وكلما ازدادت معرفتنا للنظام الكلى ازداد حظنا من الخلود . « إن كل سعادتنا تنحصر في حب اللّه ، وهذا الحب يترتب بالضرورة على معرفة اللّه ، وهي أنفس ما لدى البشر » « 3 » . وليس بواضح ما إذا كان الحب من جانب واحد ، أم هو متبادل ، فيقصره اسبينوزا على الإنسان ، ثم يعود فيقرر « أن حب الإنسان للّه عقليا هو نفسه ذلك الحب الذي يحب به اللّه ذاته . . . وبعبارة أخرى هو جزء من الحب
--> ( 1 ) Ibid . , I , 28 . ( 2 ) Ibid . , I , 33 . ( 3 ) Spinoza , Epistolae , 21 .