مجموعة مؤلفين

374

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

وهميا ، وهكذا تنتهى كل المذاهب التي تقف عند الروحية وحدها ، فتنكر عالم الحس والظواهر الخارجية . ومهما يكن من شئ ، فوحدة الوجود عند ابن عربى عقيدة الخواص وخلاصة الخلاصة ، هي العلم الحق ، والقول الصادق . وكأنه يسلم إلى جانبها بعقيدة أخرى ، هي عقيدة العوام ، أو « توحيد العام » ، كما سماه متصوف كبير سابق ، وهو الجنيد ( 298 ه ) ، الذي عنى بالمشاكل الكلامية عناية خاصة ، بين متصوفى القرن الثالث الهجري . ( ب ) وحدة الوجود عند اسبينوزا أشرنا من قبل إلى نزعة اسبينوزا الصوفية ، وقد ضم إليها اتجاها عقليا واضحا ، فكان يؤمن بالعقل الإيمان كله ، ويريد أن يخضع الأمور لسلطانه . وليس من اليسير الملاءمة بين هذين الطرفين ، وقلّ من وفق في ذلك مثلما فعل . نشّىء تنشئة دينية ، وأثيرت لعهده عدة مشاكل حول الإيمان والعقيدة ، كالصلة بين اللّه والعالم ، والتوفيق بين العقل والنقل ، والوحي والنبوة . وشاء أن يحلها حلا عقليا ، ثم لم يلبث أن توجّها بتاج صوفي . ويمكن أن تلخص فلسفته في كلمتين : « محبة للّه » ، والحديث عن الحب يقود إلى التصوف والروحية ، أما الكلام عن اللّه فأبى إلا أن يصوغه صياغة رياضية ، وينهج به منهجا هندسيا . ويكاد البحث في اللّه يستغرق فلسفته كلها ، ولم يتوسع في موضوع توسعه فيه . عرض له في كثير من كتبه ورسائله ، وأقام عليه عمدتها ، وهو كتاب « الأخلاق » ، وحرص فيه على أن يبدأ بفكرة الألوهية ، لأنها أبسط الأفكار ، والبساطة عنده أمارة الصدق واليقين . ولم تعرض فلسفة إلهية في إحكام ودقة ، مثلما عرضت في هذا الكتاب . وقوامها أخذ بمذهب وحدة الوجود في أبعد حدوده وأبلغ صوره فقال اسبينوزا أيضا بالمذهب ، دون أن يستعمل اللفظ الدال عليه : Pantheism وهذا اللفظ متأخر عنه بنحو أربعين عاما . وإذا كان المذهب الاسبينوزى قد أغفل في القرن الثامن عشر ، واستنكرته رسميا الكنيسة الرومانية ، فإنه