مجموعة مؤلفين
373
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
شئ ، لأن العبودية تقديس ، والتقديس سبيله الحب « 1 » . والمحبوب الحق هو الذات الإلهية ، التي تتجلى فيها معاني الجمال ، والمحبوب واحد مهما تعددت مجاليه ، والجميل واحد مهما تعددت صوره وبالحب الإلهى يتآخى الناس ، ويلتقون عند عبادة واحدة ، وإن فرّقت بينهم والأديان . فالحب الإلهى سبيل إلى دين عالمي لا يقف عند تلك الحدود التي وضعها أصحاب الملل والنحل . ويجاوز ابن عربى هذا إلى الحديث عن مشاهدات ومكاشفات تطيب للصوفية ، وإن آذنت بشئ من الحسية والمكانية ، فيقول « ما شاهدت معبودا في الصور الكونية أعظم منه « 2 » » . وليس الحب بمقصور على الخلق ، فاللّه يبادل عباده حبا بحب ، وهذه ثغرة أخرى في مذهب وحدة الوجود . ويحاول ابن عربى أن يسدها ، ملاحظا أن اللّه يحب خلقه لأنهم صوره ومجاليه ، فحبه ذاتي ينعكس منه وإليه . والحب الإلهى سبب ظهور الحق في أعيان الموجودات ، فحبه مصدر ظهوره في مخلوقاته ، ومخلوقاته دائمة الفناء فيه حبا له . وهذه هي دائرة الوجود ، أولها حب وافتراق ، وآخرها حب وتلاق ، محورها الحق ، ومحيطها ما يحصى من مجالي الوجود ، الكل يخرج من المركز ، والكل يعود إليه « 3 » . فالعالم الخارجي ، أو الطبيعة المطبوعة كما يسميها اسبينوزا ، ليس إلا جملة المجالى والمظاهر التي تتجلى فيها الذات الإلهية . فهو عالم روحي ليس فيه من المادية شئ ، ويخطئ كل الخطأ من يزعم أن مذهب ابن عربى مادي ، فهو بعيد عن ذلك كل البعد . ولكنه يصور العالم تصويرا يكاد يكون
--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 194 . ( 2 ) الدكتور أبو العلا عفيفي ، التصوف ، الثورة الروحية في الإسلام ، القاهرة 1963 م ، ص 239 . ( 3 ) ابن عربى ، فتوحات مكية ، ج 1 ، ص 332 ؛ الدكتور أبو العلا عفيفي ، تعليقات على فصوص الحكم ، ص 327 .