مجموعة مؤلفين
372
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
التصوير أن الألوهية معنى مجرد وغير شخصي ، لا يكاد يوصف أو يعرف ، وصفة الإله الوحيدة هي الوجود ، وقد تضاف إليها صفة العلم ، ولكنه علم مقصور على ذات اللّه . وهذا معنى لا يتفق مع العقيدة الإسلامية ، التي تقوم على التوحيد ، وإثبات عدة صفات للّه ، كالقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام . حقا إن مذهب وحدة الوجود يصون فكرة الوحدانية ، بل يغلو فيها بحيث يستوعب الواحد كل شئ . ولكنها وحدانية إن لاءمت الخاصة ، فإنها لا تلائم العامة ، ولا تخلو من شائبة التعدد . وفوق هذا تحوّل وحدة الوجود عند ابن عربى الخلق إلى ضرب من التجلي الذي لا يؤذن بقدرة ولا إرادة ولا حياة . ويظهر أن الصوفي الفيلسوف كان يتردد بين فكرتين : فكرة إله وحدة الوجود اللانهائى المطلق ، وفكرة إله الكتاب والسنة الذي عنى الأشاعرة بتحديد صفاته وشرحها . فينحو تارة منحى التنزيه والتجريد ، ويجعل الألوهية معنى بسيطا بعيدا عن النسب والإضافات ، فلا يوصف ولا يعبر عنه . ويؤول كل ما يعزوه الأثر إلى اللّه من صفات ، فمثلا اللّه جبار بمعنى أنه يعمل وفق الضرورة ، وحفيظ بمعنى أنه يصون الأشياء . وينحو تارة أخرى منحى الوصف ، وقد يبالغ في التشبيه إلى حد يؤذن بالمادية ، فالحق جوهر ، وتجلياته في مظاهر الوجود أعراض له ، وهو مسمى بأسماء جميع المحدثات « 1 » . وكأنما أخذ بفكرة الجوهر التي رددها الأشاعرة ، وإن أنكر نظريتهم في الجواهر الفردة ، ولم يسلم إلا بجوهر واحد . وأغلب الظن أن جوهره عقلي لا حسى ، وروحي لا مادي . ويقول أيضا بالحب الإلهى ، وهو يستلزم طرفين : محبا ومحبوبا ، ويحاول أن يشرح ذلك على نحو يتلاءم مع نظرية وحدة الوجود ، وإن اختلط شرحه ببعض المظاهر الحسية فالحب عنده أساس العبادة ، ولولاه ما عبد
--> ( 1 ) المصدر السابق ، فص نعمانى .