مجموعة مؤلفين

371

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

المتكلمون بل مجرد فيض وتجلّ . والتجلي الإلهي أزلي أبدى ، ومن أهم آثاره معرفة الحق بظهور صفاته وأسمائه في عالم الوجود ، » كنت كنزا مخفيا ، فأحببت أن أعرف ، فخلقت الخلق فبى عرفوني » . فالموجودات كلها تجليات إلهية ، وتعبير عن صفات قدسية فما وصفناه بوصف إلّا كنّا ذلك الوصف ، وما سمينا شيئا باسم إلا كان هو المسمى « 1 » . ومن أهم مظاهر هذا التجلي الإنسان ، خليفة اللّه في أرضه ، هو العالم الأصغر الذي ينعكس فيه العالم الأكبر « 2 » . ولكي يفسر ابن عربى الصلة بين الواحد والكثير يلجأ - على نحو ما صنع الإسكندريون إلى ضرب من المجاز والتشبيه ، فيقول إنّ الذات الإلهية جسم والكثرة أعضاؤه ، أو إنها الواحد والكثرة هي الأعداد المتفرعة منه ، أو إنها المرآة التي تعكس صورا متعددة ، أو إنها بحر الوجود الزاخر والمدركات الحسية أمواجه . وما دام الأمر تجليا أزليا ، فلا محل لمادة أو صورة ، ولا لعلة أو غاية ، ولا لاتفاق أو مصادفة . وإنما يسير العالم وفق ضرورة مطلقة ، ويخضع لحتمية لا تخلف فيها . وعالم هذا شأنه لا يتحدث فيه عن خير وشر ، ولا عن قضاء وقدر ، ولا عن حرية أو إرادة ، ذلك لأن الكائنات كلها تخضع لقانون الوجود العام « 3 » . وإذن لا حساب ولا مسؤولية ، ولا مدلول لطاعة أو معصية ، ولا ثواب ولا عقاب ، بل الجميع في نعيم مقيم . والفرق بين الجنة والنار في المرتبة لا في النوع ، ورحمة ربك وسعت كل شئ . وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم * على لذة فيها نعيم مباين هذه هي وحدة الوجود على نحو ما صورها ابن عربى ، ويبدو من هذا

--> ( 1 ) ابن عربى ، فتوحات مكية ، ح 4 ، ص 251 . ( 2 ) ابن عربى ، فصوص الحكم ، فص محمدي . ( 3 ) المصدر السابق ، فص عزيرى .