مجموعة مؤلفين

342

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

ومن الغريب أن السيد محمد رشيد رضا - مع ما هو معروف عنه من نقده الشديد للصوفية وتمسكه بالاتجاه السلفي الذي يمثله ابن تيمية - ذكر لنا رؤيا منامية بعد وفاة الأستاذ الإمام بأيام ، جعلته يتذكر كلاما لابن عربى في حال الصدق ومقام الصدق ، ولطرافتها نثبتها فيما يلي : يقول الشيخ رشيد : « رأيت الأستاذ الإمام في النوم بعد موته بأيام ، فقال لي : إن اللّه تعالى أعطاني مقعد الصدق ، أو قال : إنني في مقعد الصدق . فتذكرت كلام الشيخ محيي الدين بن عربى في مقام الصدق وحال الصدق ، ومنه أن صاحب حال الصدق يكون كثير الظهور بالولاية والكرامة ، كثير الدعوى بحق ، كعبد القادر الجيلى ، وصاحب مقام الصدق أعلى وأكمل ، ويكون في الولاية مجهولا لا يعرف ونكرة لا تتعرف ، كأبى السعود ابن الشبل تلميذ عبد القادر . وتذكرت جهل الناس بمقام الأستاذ الإمام في الولاية والعرفان احتجابا بمظهره الدنيوي ومعارفه الكونية عن مرتبته الروحية ومعارفه اللدنية ، واستيقظت وعلى لساني قوله تعالى : « إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ » « 1 » . ومع أن هذه مجرد رؤيا منامية ، إلا أنها ذات دلالة صوفية عميقة بالنسبة لمقام الأستاذ الإمام ، وبالنسبة إلى الشيخ رشيد رضا الذي أصبح مؤمنا بعمق كلام ابن عربى في التمييز بين مقامات السلوك وأحواله الروحية . وشهادة الشيخ رشيد رضا لابن عربى في هذا الموضع على هذا النحو لها قيتها في الإبانة عن مكانة ابن عربى كشيخ مربّ ، خصوصا وأنها صادرة عن عالم سلفى النزعة يظن به أنه خصم للصوفية ، خصوصا المتفلسفين منهم كابن عربى . 14 - أتباع الأكبريّة : معلوماتنا عن أتباع الطريقة الأكبرية في عصر ابن عربى وبعد وفاته قليلة للغاية ، فلم يتعرض أحد من القدماء ولا المحدثين لذكر شئ مفصل عنهم ،

--> ( 1 ) تاريخ الأستاذ الأمام ، ح 1 ، ص 959 .