مجموعة مؤلفين

316

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

وهناك آداب أخرى يشير بها على مريده منها حسن الظن بالناس ، وسلامة الصدر ، والدعاء للمسلمين ، وخدمة الفقراء ، وإرشاد الناس ، والصحبة الموافقة ، وكظم الغيظ ، والإحسان ، وتقوى اللّه في السر والعلن ، والحذر من استدراج اللّه له ، وغير ذلك . وهو قد أشار بالتفصيل إلى هذه الآداب وغيرها في رسالته المعروفة باسم « كنه ما لا بد منه للمريد » . ومع أن الطريق إلى اللّه واحد ، فإنه تختلف وجوهه باختلاف أحوال سالكه من اعتدال المزاج وانحرافه ، وملازمة الباعث وغيبته ، وقوة روحانيته وضعفها ، واستقامة همته وميلها ، وصحة توجهه وسقمه « 1 » . هذا وسفر الصوفية لا يكون بالعقل واستدلالاته على نحو ما هو عند الفلاسفة ، وإنما هو محض اختصاص من اللّه ، وإلى ذلك يشير ابن عربى بقوله : « وأما المسافرون فيه ( في طريق اللّه ) فطائفتان : طائفة سافرت فيه بأفكارها وعقولها ، فضلت عن الطريق ، ولا بد ( أن تضل ) ، فإنهم ما لهم دليل في زعمهم يدل بهم سوى فكرهم ، وهم الفلاسفة ، ومن نحا نحوهم . وطائفة سوفر بها فيه ، وهم الرسل والأنبياء ، والمصطفون من الأولياء ، كالمحققين من رجال الصوفية » « 2 » . ولكن يجب التنبه إلى أن ما يذهب إليه ابن عربى من أنّ السفر مردود في النهاية إلى محض فضل من اللّه ، لا يعنى أن ابن عربى من الجبرية الذين ينفون القدرة الإنسانية على الفعل تماما ، وإنما هو فيما يبدو يقرر ذلك على سبيل التأدب مع اللّه ، مصداقا لقوله تعالى « وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ » . ولهذه نجده يذهب في مواضع كثيرة إلى تأكيد الإرادة وفاعليتها في السلوك أو السفر ، فلا يسلك الطريق في رأيه إلا من كان شجاعا مقداما ، والشجاع المقدام لا يكون إلا صاحب عزيمة قوية ، فيقول : « فإن هذا الطريق لما كان في غاية الشرف والعزة حفت به الآفات والقواطع والأمور المهلكة .

--> ( 1 ) رسالة الأنوار ، ص 10 . ( 2 ) ابن عربى : كتاب الأسفار ، حيدرآباد 1367 ه - 1948 م ، ص 7 .