مجموعة مؤلفين
317
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
من كل جانب ، فلا يسلكه إلا شجاع مقدام » « 1 » ، وهو يقول كذلك : « فإنه ( أي طريق الصوفية ) طريق الشدة ليس للرخاء فيه مدخل ، لأن الرخص إنما هي للعامة . . وكان إمامنا أبو مدين يقول : ما للمريد وللرخص ، قال اللّه تعالى : « وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا » ، فأين أنت بعد الجهاد ؟ تتضح السبيل ! وعند ذلك يكون السلوك عليها ، وهو سفر ، والسفر قطعة من العذاب ، فإنه ( أي السالك ) منتقل من عذاب إلى عذاب ، فلا راحة » « 2 » . خلاصة القول أن السفر عند ابن عربى يعنى كما يعنى عند غيره من الصوفية ، مجاهدة النفس بإلزامها الفضائل الأخلاقية على اختلافها ، من أجل وصولها في النهاية إلى الكمال الأخلاقي . على أنه يجب التنبه إلى أن السلوك أو السفر عند ابن عربى وعند غيره من أصحاب وحدة الوجود ، ليس فقط وسيلة إلى التحقق بذلك الكمال الأخلاقي ، وإنما هو مؤد في النهاية إلى التحقق بوحدة الوجود ، التي تنتفى فيها الإثنينية بين السالك أو المسافر وبين الحق « 3 » ، وإلى ذلك يشير ابن عربى بقوله في « فصوص الحكم » : « فمن عرف أن الحق عين الطريق ، عرف الأمر على ما هو عليه ، فإن فيه جل وعلا تسلك وتسافر ، إذ لا معلوم
--> ( 1 ) الأمر المحكم المربوط ، ص 224 . ( 2 ) الأمر المحكم المربوط ؛ ص 225 - 226 . ( 3 ) يورد الجرجاني في تعريفاته شرحا مفصلا لتعريف ابن عربى للسفر الذي يقول فيه : « السفر عبارة عن القلب إذا أخذ في التوجه إلى اللّه بالذكر » ، ويذكر فيه أن الصوفية ( من أصحاب وحدة الوجود ) ينتهون من السفر إلى القول بأن الكثرة عين الوحدة ، وأن الوحدة عين الكثرة ، ويفرقون في السفر بين مرحلة الواحدية التي تتضمن الكثرة ، ومرحلة الأحدية التي تنتفى معها جميع الاعتبارات فلا يبقى إلا الذات الصرف الخالصة عن الظهور في المظاهر الأسمائية ، التعريفات : مادة السفر ؛ عبد الرحمن الجامي : الدرة الفاخرة ، القاهرة 1328 ه ، ص 260 ؛ وكتابنا ابن عطاء اللّه السكندرى وتصوفه القاهرة 1958 ، ص 261 - 262 ، وفصوص الحكم ، نشر الدكتور عفيفي ، القاهرة 1946 م ، ص 109 ) .