مجموعة مؤلفين
13
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
أو يقول في الفص النوحى : إن نوحا دعا قومه ليلا - أي من حيث عقولهم ( فإن العقول غيب ) و « نهارا » أي من حيث ظاهر صورهم . . . « رب اغفر لي » أي استرنى - من الغفر بمعنى الستر . « ولوالدي » أي من كنت عنهما ، وهما العقل والطبيعة ؛ « ولمن دخل بيتي » - أي قلبي - و « للمؤمنين » - أي من العقول . « والمؤمنات » أي من النفوس . » ولا تزد الظالمين » أي أهل الغيب : لأن الظالمين مشتقة من الظلمات وهي غيب ! وهكذا وهكذا . وإذا كان ابن عربى في فهمه لآيات العبادات يأخذ بمعانيها الظاهرة والباطنة كما قلنا ، فإنه لا يأخذ من آيات المعتقدات إلا معانيها الباطنة ، مستخدما المعنى الظاهر تكأة يتكئ عليها ، وستارا يستتر خلفه . وتراه وهو يناقش هذه الآيات ينتقل فجأة من الظاهر إلى الباطن ، ثم يعود إلى الظاهر ثم إلى الباطن ويمعن فيه ويعقّب عليه ، ويسهب في شرحه بطريقة توقع القارئ في الحيرة ، وتشتت فكره . ولو أنه لم يلجأ إلى هذا الازدواج في الأسلوب ، وشرح مذهبه بلغة واحدة ، لوضحت معانيه وارتفع الشك في أمره . ولكنه آثر هذا الازدواج عن عمد ، فيما نعتقد ، فعقّد البسيط وأخفى الواضح ؛ وكاد بمنهجه الخطير في التأويل أن يحول القرآن إلى قرآن جديد . 5 - كانت هذه أول حقيقة كشفتها عن أسلوب ابن عربى وطريقته في التأليف . وليس من شك في أن الثنائية اللغوية التي استخدمها في التعبير ! عن آرائه ، كانت من أهم الأسباب في اختلاف الناس في أمره وتقديرهم لعقيدته . فمن نظر إلى جانب الظاهر من أقواله شهد له بالعلم والفضل ، وعده من كبار علماء الإسلام وفقهائه ، ومن أوسعهم علما بالقرآن والحديث ، ونعته آخر الأمر بالولاية والقديسية . ومن نظر إلى جانب الباطن من أقواله ، قدر فيه مواهبه العقلية والروحية البارزة في فلسفته وتصوفه ، ولكنه ربما تردد في قبول آرئه الدينية ، أو أنكرها إنكارا باتا . وقد انقسم العالم لإسلامى في أمر ابن عربى إلى معسكرين يمثل أحدهما الموقف الأول ، ويمثل الآخر