مجموعة مؤلفين
232
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
ومهما يكن لمجهودهم العلمي في هذه السبيل من عمق وأصالة وإبداع ، - فإن هذا المبدأ ذاته قد تجلى في البيئة السلفية ، وخاصة عند المتأخرين منهم كابن تيمية وابن قيم الجوزية ، في رداء جديد ، واتخذ لديهم صورة واضحة جديرة بالملاحظة والتقدير . إن الحركة السلفية في الواقع قائمة على فكرة التوحيد . والتوحيد عند علماء السلف هو عقيدة وعبادة : وهذا هو الجانب الإلهى فيه . كما هو في الوقت نفسه أيضا ، سلوك فردىّ ، ومعاملات اجتماعية : وهذا هو الجانب الإنسانى فيه . فالتوحيد هو مبدأ إلهي وإنساني ، وفكرة دينية ، وزمنية في آن معا . ويرى علماء السلف بحق ، أن هيكل الدين ، سواء في عقائده أو عباداته أو نظمه ، ليس إلا صورة مجسدة وتعبيرا صادقا لكل ما ينطوى عليه مبدأ التوحيد من كمال وسمو وقداسة . فالغرض الذاتي للشريعة هو انتصار كلمة اللّه العليا في الحياة ، وفي حياة الفرد ، وفي حياة الجماعة . وكلمة اللّه في جوهرها حقيقة وعدالة ومحبة : وانتصاراتها الإيجابية في الضمير الفردى ، وفي الضمير الجماعي هي الضمانات الكافية لكل تقدم ورخاء ، إن في مستوى الروح ، أو في مستوى المادة . إنها المفاتيح السحرية لكنوز الأرض وكنوز السماء ! والتوحيد ، في نظر شيخ الإسلام ابن تيمية ، ذو مظاهر أو حقائق ثلاث ؛ كلّ منها يبرز جانبا من جوانب الذات الإلهية في سموها وكمالها ، كما أنّ كلّا منها يتناول ناحية من حياة الإنسان ، وصلاته بالكون وموجده . وهكذا ينتظم مبدأ التوحيد حقيقة الألوهية وحقيقة الإنسانية ، وتتلاقى في ظلاله عظمة الخالق وعظمة المخلوق ! فالمظهر الأول للتوحيد هو ما يسميه شيخ الإسلام بتوحيد الألوهية . وهذا اعتراف بالوحدة الذاتية للإله الحق ، وإيمان عميق بها . والمسلم في هذا الموطن ، مكلف بأن ينفى الألوهية عما سوى اللّه ، ويخصه بالوجود المطلق الذي لا يشاركه فيه سواه . - أما المظهر الثاني للتوحيد فهو توحيد الربوبية . وهذا إقرار من العبد بوحدة الربوبية ، أي وحدة الذات الإلهية في الخلق والتسوية والتقدير والهداية . فكما أن التوحيد الأول