مجموعة مؤلفين
233
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
يفرد الحق - تعالى ! - بالوجود المطلق ، ويخصه بالألوهية ، فكذلك هذا التوحيد يفرده بالربوبية ، ويخصه بكمال الإبداع والإرشاد . فلا إله إلّا اللّه : هذا توحيد الألوهية . ولا خالق ولا مرشد سواه : وهذا توحيد الربوبية . وكذلك ترتفع الوسائط بين الخالق والمخلوق ، في دائرة الألوهية ؛ وتزول الحجب بين الرب والمربوب ، في دائرة الربوبية . - والمظهر الأخير للتوحيد هو توحيد العبودية : وهو أن يسلم المرء ذاته للّه رب العالمين ويوجه وجهه للذي فطر السماوات والأرضين ، فلا يعبد سواه ولا يتقرب إلا إليه ، إذ اللّه وحده هو الموضوع الأسمى للإيمان والمعرفة والمحبة والعبادة ! * * * ولكن إذا كان التوحيد عند المعتزلة هو مشكلة لاهوتية وأخلاقية ؛ وعند السلفية مشكلة دينية واجتماعية ؛ - فهو في نظر الصوفية مبدأ روحي يتصل قبل كل شئ بحرية الكيان الإنسانى وتحريره من شوائب القيود والحدود جميعا . إن الصوفية لم يعكفوا طويلا أمام مشكلات التوحيد النظرية ، كما صنع كبار رجال الاعتزال . ولم يقتصروا على دراسة جوانبه الدينية والاجتماعية ، كما فعل علماء السلفية . إن نشاطهم كله تركز حول حقيقة التوحيد من حيث هو المظهر الأسمى للذات الإلهية في تجليها الفائق ، والمجلى الأكمل للبشرية في ترقيها الخالد . نعم ! إن التوحيد عند الصوفية هو بمثابة امتحان شاق ، من خلال الدموع والآلام ، لمبدأ الوحدانية . وهو جهاد معجز لاكتشاف هذا المبدأ في كل ميادين الحياة . إن ما ينشده الصوفي في « توحيده » ، ويعتز به دائما ، هو الحصول على « الوحدة المطلقة » . وحدة الخالق ووحدة الكون ووحدة الذات البشرية . أليس عن « الوحدة الإيجادية » صدر كل شئ ؟ فهي إذن كل شئ في كل شئ ! « قال يوسف بن الحسين : قام رجل بين يدي ذي النون المصري فقال : أخبرني عن التوحيد ، ما هو ؟ - فقال : هو أن تعلم أن قدرة اللّه في الأشياء بلا مزاج . وصنعه للأشياء بلا علاج . وعلة كل شئ صنعه .