مجموعة مؤلفين
216
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
فهمه لموقف الأشاعرة والمعتزلة منها ؛ فهو يرى أن الأشاعرة ينكرون أن للممكنات أعيانا في حال عدمها ؛ وإنما تكون للممكن عين عندما يوجده اللّه . بعبارة أخرى ينكرون وجود ماهيات الممكنات في العالم المعقول . أما المعتزلة فيقول إنهم يقولون إن للممكنات أعيانا قبل حدوثها ، وأنها هي التي توجد ( أي تتحقق في العالم الخارجي ) بعد أن لم تكن . أما رأيه هو ، فهو أن الأعيان الثابتة إما أنها تلك الممكنات التي نصفها بالوجود ، وندركها بالحس ، وأنها انتقلت من حال العدم إلى حال الوجود ؛ وإما أنها مجال للذات الإلهية تظهر فيها الذات كما تظهر صور المرئى في المرآة ؛ وهي في كلتا الحالتين على ما هي عليه من العدم . وقد يقال إنها استفادت الوجود ، ولكن استفادتها الوجود ليست إلا ظهور الحق فيها . ومما تقدم يتضح أن الأعيان الثابتة في مذهبه لا توصف بالوجود الخارجي ، ولا بالوجود العقلي المستقل المنفصل عن ذات الحق . بل هي عين الحق ، أو هي أشبه شئ بصفات الحق في مذهب المعتزلة . فهي - من حيث هي موجودات بالقوة ، أو صور في العلم الإلهى - أمور معقولة ؛ ولكنها من حيث هي أعيان وذوات ومجال للذات الإلهية - هي الوجود بأسره . وهكذا بحد ابن عربى يجمع في صعيد واحد بعض جوانب نظرية أفلاطون في المثل ، ونظرية أرسطو في القوة والفعل ، ونظرية المعتزلة في المعدومات ، ونظريتهم في الذات والصفات ، ويفسر في ضوء هذه النظريات جميعها نظريته في وحدة الوجود . ولكنه - لسوء الحظ - يستعمل الأساليب الشعرية غير الدقيقة في وصف تلك الأعيان الثابتة ، ويضفى عليها شيئا من التشخص : كأن يقول « كان اللّه ولا شئ معه ، ثم تجلى لنفسه في صور الأعيان الثابتة » ؛ أو يقول : « أليس ( أي الحق ) الأعيان الثابتة الوجود » أو يقول : « وكنا فيه أكوانا - وأعيانا وأزمانا » « 1 » والمراد بفيه « الحق » . ويقول : « لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي
--> ( 1 ) الفصوص : ص 143 .