مجموعة مؤلفين
217
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها ، وإن شئت قلت أن يرى عينه » « 1 » . والإشارة في قوله « أعيانها » أي أعيان الأسماء الإلهية التي هي « الأعيان الثابتة » . ومن الخطأ البين أن نفهم « كان » و « ثم » وغيرهما من الألفاظ الزمانية التي يستعملها ابن عربى للتعبير عن صلة الحق بالأعيان الثابتة بأي معنى يشير إلى الزمان ؛ فإن عملية ظهور الحق في صور الأعيان الثابتة ومنحه إياها الوجود - وهذا هو المراد بعملية « الخلق » في مذهبه - عملية دائمة مستمرة من الأزل إلى الأبد . وأحيانا يتكلم ابن عربى عن الأعيان الثابتة كما لو كانت تمثل مرحلة من مراحل تطور « الحق » ( « المطلق » كما يسميه هيجل ) في طريقه إلى الظهور والتجلي في أعيان الموجودات ؛ فإن « الحق » يمر في طريقه إلى الظهور بمرحلتين : الأولى مرحلة « الفيض الأقدس » ، وهو تجلى الحق في نفسه لنفسه في صور أعيان الممكنات ، وهي الصور المعقولة التي لها وجود غيبى وليس لها وجود عيني ( وهي الأعيان الثابتة ) . هذه هي أول تعين من درجات التعين في طبيعة الوجود المطلق . والمرحلة الثانية هي « الفيض المقدس » أو « التجلي الوجودي » ، وهو خروج الأعيان الثابتة من العالم المعقول إلى العالم المحسوس ، أو خروج ما هو بالقوة إلى ما هو بالفعل ، وظهور الموجودات الخارجية على نحو ما هي عليه في ثبوتها الأزلي ، فليس في الوجود شئ يظهر على خلاف ما كان عليه في ثبوته . هذا هو سر القدر الذي يشير إليه ابن عربى في الفص السادس عشر من كتاب « فصوص الحكم » ، وهو أشبه شئ بالانسجام الأزلي الذي يقول به « ليبنتز » يقول : « ما كنت به في ثبوتك ظهرت به في وجودك . هذا إن ثبت أن لك وجودا . فإن ثبت أن الوجود للحق ( اللّه ) لا لك ، فالحكم لك بلا شك في وجود الحق . وإن ثبت أنك الموجود ، فالحكم لك بلا شك . وإن كان الحاكم الحق ، فليس له إلا إضافة الوجود عليك ، والحكم لك عليك .
--> ( 1 ) الفصوص : ص 48 .