مجموعة مؤلفين
8
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
والتنزلات الروحية ، والمناسبات العلوية ، جريا على طريقتنا . واللّه يعصم قارىء هذا الديوان من سبق خاطره إلى ما لا يليق بالنفوس الأبية والهمم العلية المتعلقة بالنفوس السماوية » « 1 » . إلى هذه اللغة المزدوجة - لغة الظاهر والباطن - يرجع السبب الأكبر في غموض أسلوب ابن عربى . وهذا الغموض ، وإن كان عاما في كتابات متفلسفة الصوفية ، إلا أنه في كتاباته أقوى وأعمق . ويغلب على ظني أنه غموض متعمد ، قصد به إرضاء أهل الظاهر وأهل الباطن جميعا . أما هدفه الحقيقي فهو المعاني الباطنية التي يتألف منها مذهبه والتي يخرّجها بشتى أساليب التخريج من نصوص الكتاب والحديث ، محاولا بطرقه الخاصة أن يعبر الهوة السحيقة التي تفصل بين ظاهر العقائد الإسلامية ، والنتائج الفلسفية والصوفية التي تلزم عن مذهبه في طبيعة الوجود . 3 - أخذت أدرس أسلوب ابن عربى وأتعرف خصائصه ، وأقارن بين منهجه ومنهج الصوفية السابقين عليه في فهم القرآن وتأويله . فتبينت لي عدة حقائق استرشدت بها في فهم كتبه . لم يكن ابن عربى أول من أول القرآن تأويلا صوفيا ، فقد سبقه إلى هذا كبار الصوفية من أمثال المحاسبي والجنيد وأبو طالب المكي والغزالي . وكان لكل واحد من هؤلاء الصوفية طريقته الخاصة في التأويل . وفهمه الخاص للنص المؤول . وكان دين ابن عربى لهؤلاء الصوفية كبيرا . ولكنه تفرد عنهم جميعا بأنه كان أوسعهم ثقافة وأكثرهم إلماما بالتراث الإسلامي الديني والعقلي والروحي ، وأنه استغل علمه الغزير هذا في تأويله للقرآن والحديث على نحو لا يدانيه فيه صوفي آخر . ولست أعنى بالتأويل في هذا المقام التفسير . إذ التأويل شئ ، والتفسير شئ آخر . التفسير شرح معاني لألفاظ وتوضيحها ، والتأويل توجيه ألفاظ النصوص إلى معان غير تلك التي يدل عليها ظاهرها .
--> ( 1 ) مقدمة ترجمان الأشواق .