مجموعة مؤلفين
9
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
فأنت إذا فسرت قوله تعالى « أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها » ، قلت مثلا إن من نعم اللّه على عباده أنه ينزل من السحاب مطرا يرتوى منه الحيوان والنبات وتفيض به الوديان . كل بحسب طاقته وسعته » . أما إذا أولت - كما يؤول ابن عربى - فإنك تقول : « المراد بالماء العلم ، وبالسماء العالم العلوي : ومعنى الآية أنزل اللّه تعالى العلم الإلهى من العالم العلوي على قلوب أصفيائه من الأنبياء والأولياء ، ففاضت القلوب . - وهي المرموز إليها بالأودية - بهذا العلم : كل بحسب استعداده » . وهكذا نرى أن المفسر يأخذ من اللفظ معناه الحقيقي ، في حين يعطيه المؤول معنى مجازيا ، ويعتبره مجرد إشارة أو رمز لهذا المعنى . ويستعمل ابن عربى الطريقتين في معظم الأحيان ، وهو يشرح الآيات القرآنية التي يتخذها أساسا لنظرياته . وكثيرا ما يطلق على المعنى الثاني - المعنى المجازى - اسم « الإشارة » ، ويقول « إن كلام الصوفية في شرح القرآن إشارات يشار بها إلى مواقع خطاب اللّه ؛ وهذه الإشارات مجهولة عند كثيرين من الفقهاء أهل الرسوم ، ولذلك يسارعون إلى إنكارها ويتهمون قائلها بالكفر . ثم يقول : وكل آية منزلة لها وجهان عند أصحاب الإشارات : وجه يرونه في أنفسهم ، ووجه يرونه فيما خرج منهم . يقول اللّه تعالى : « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ » ، ويفسر ابن عربى هذا النص بمعنى أن آيات اللّه لها وجه إلى الظاهر - وهو المعبر عنه بالآفاق - لأن أحكامها تجرى على الجوارح - ولها وجه إلى الباطن - أي باطن العبد - وهو المعبر عنه « بأنفسهم » لأن أحكامها تجرى على القلوب . والوجه الأول وجه الشريعة ، والوجه الثاني وجه الحقيقة . وأحيانا أخرى يسمى ابن عربى المعاني الباطنية باسم « الحكمة » في مقابل « الكتاب » الذي هو ظاهر الشرع ، وهي مقابلة واردة في القرآن في مثل قوله تعالى : « رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ