مجموعة مؤلفين
187
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
تأويل . وبهذا تختفى شخصيته الحقيقية وتفشل رسالته الطبيعية ، وهذا شئ لا يستطيعه بأي حال ، وإما أن يسير على فطرته وحسب تكوين عقله وقلبه فيصطدم في كل خطوة من خطواته مع أهل الحل والعقد في البلاد . وقد حدث ذلك فعلا حيث احتدمت بينه وبين بعض الأمراء الموحدين مجادلات عنيفة ، وحيكت حوله دسائس قوية اتهمته بإحداث اضطراب في سياسة الدولة . وإذ ذاك رأى في حالة اليقظة كأنه أمام العرش الإلهى المحمول على أعمدة من لهب متفجر ، ورأى طائرا جميلا بديع الصنع يحلق حول العرش ويصدر إليه الأمر بأن يرتحل إلى الشرق وينبئه بأنه سيكون هو مرشده السماوي ، وبأن رفيقا من البشر يدعى فلانا ينتظره في مدينة فاس ، وأن هذا الأخير قد أمر هو أيضا بهذه الرحلة إلى الشرق ، ولكنه يجب ألا يرتحل قبل أن يجئ إليه رفيق من الأندلس ، فيفعل ما أمر به ويرتحل بصحبة هذا الرفيق . وفيما بين سنتي 597 ، 620 ه 1200 ، 1223 م يبدأ رحلاته الطويلة المتعددة إلى بلاد الشرق فيتجه في سنة 1201 م إلى مكة فيستقبله فيها شيخ إيرانى وقور جليل عريق المحتد ممتاز في العقل والعلم والخلق والصلاح . وفي هذه الأسرة التقية يلتقى بفتاة تدعى « نظاما » وهي ابنة ذلك الشيخ . وقد حبتها السماء بنصيب موفور من المحاسن الجسميّة ، والميزات الروحانية الفائقة ، فاتخذ منها محيي الدين رمزا ظاهريا للحكمة الخالدة ، وأنشأ في تصوير هذه الرموز قصائد سجلها في ديوان ألفه في ذلك الحين . وفي هذه البيئة النقية المختارة له من قبل سطعت مواهبه العقلية والروحية ، وتركزت حياته الصوفية ، وجعلت تصعد في معارج القدس شيئا فشيئا حتى بلغت شأوا عظيما . ومن ذلك أنه في إحدى طوفاته التأملية والبدنيّة بالكعبة يلتقى من جديد بمرشده السماوي الذي أمره سالفا بالهجرة من الأندلس والمغرب إلى الأصقاع الشرقية ، فيتلقى منه الأمر أيضا بتأليف كتابه الجامع الخالد « الفتوحات المكية » الذي ضمنه أكثر وأهم آرائه الصوفية والعقلية