مجموعة مؤلفين

7

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

ذهبت إلى الأستاذ ونفسي تفيض يأسا وحزنا ، وأعلنت له في صراحة أنني لا أستطيع فهم « الفصوص » ، وأنه أول كتاب عربى واجهت فيه هذه الصعوبة . فنصحنى بترك « الفصوص » والإقبال على كتب أخرى لابن عربى ، فقرأت منها نيفا وعشرين كتابا ما بين مطبوع ومخطوط منها الفتوحات المكية » ، و « التدبيرات الإلهية » ، وإنشاء الدوائر ، و « عقلة المستوفز » ، و « مواقع النجوم » ، و « تفسير القرآن » المنسوب إلى ابن عربى وغيرها . وكأن « الفتوحات » بمثابة المفتاح الذي فتحت به مغاليق الفصوص ، إذ ما أن قرأته حتى انكشفت لي معميات الفصوص وتبينت لي معالم الطريق إلى فهم أسلوب ابن عربى ومراميه ؛ وأدركت أن للرجل لغتين مختلفتين يخاطب بهما القارئ طوال الوقت ، ويمزج إحداهما بالأخرى إلى حد يخفى معه المعنى المقصود أحيانا . وهاتان اللغتان هما لغة الظاهر ولغة الباطن ، أو لسان الشريعة ولسان الحقيقة على حد تعبير الصوفية أنفسهم . أما لغة الظاهر فهي لغة عامة الخلق ، وهي لغة الفقهاء والمتكلمين . وأما لغة الباطن فهي لغة الرمز والإشارة التي يعبر بها الصوفية عن المعاني والدقائق المستترة وراء ظاهر الشرع ، وهم يلجأون إليها إما لأن لغة العموم لا تفي بالتعبير عن معانيهم ، وما يحسونه من أذواق ومواجد ؛ وإما ضنا بما يقولون عمن ليسوا أهلا له ، لأن ما يرمزون إليه حقائق لا يستقل العقل بفهمها لأنها لا تدخل في نطاق العقل ولا تقع تحت مقولاته . لهذا كان لزاما على الناظر في أقوال الصوفية أن يكون على حذر في فهمها وتأويلها والحكم عليها ، وإلا صرفها إلى غير معانيها أو حملها ما لا تحتمل . وهذه مسألة نبه إليها القدماء وحذروا من الوقوع فيها ؛ ونبه إليها ابن عربى نفسه عندما بلغه أن الناس أساءوا فهم إشاراته في « ترجمان الأشواق » ، فاتهموه بأنه شاعر غزل يصف في ديوانه النساء وديارهن ، والطبيعة ومعانيها وغير ذلك من الأمور المادية فقال : « ولم أزد فيما نظمته في هذا الجزء على الإيماء إلى الواردات الإلهية