مجموعة مؤلفين
175
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
لنفسه ، يعدل في الحكم ولا ينصف بالظلم ، إذا أعطى زعم للمعطى إليه أن العطاء أمانة طلب إليه أن يسلمها إليه . . يعمل ما ينبغي كما ينبغي لما ينبغي . . الخ ويبدو أن هذه الصفات تغلب عليها نغمة مسيحية لا تخفى ، لأن أكثرها مما يتحلى به القديس المسيحي ، وليس المسلم الذي يجمع وفاقا لدينه بين الدنيا والآخرة ، ويعطى لكل منهما حقه ، وإن جاء في مطلع الصفات السالفة الذكر أن العارف هو المتخلق بأخلاق اللّه حتى كأنه هو ، وما هو هو . . ونسي ابن عربى أن اللّه يتصف عند الصوفية وغيرهم بما سموه بصفات الجلال ، فيقال إنه قوى جبار قهار معز مذل سريع الحساب . . إلى جانب ما يتصف به تعالى من صفات الجمال الماثل في وصفه بأنه المحب الشفيق الرحيم الغفار . . . وقد كان القرآن إذا أوصى بالزهد قرن ذلك بطلب السعي والتماس الرزق ، وإذا دعا إلى الصبر والحلم والدعة وغيرها من فضائل سلبية ، تصدى للدعوة إلى القوة والمنعة . . في غير عدوان على أحد . وهكذا تستقيم الحياة الأخلاقية الصحيحة بالجمع في توازن واتساق بين أخلاق القديس المسيحي وأخلاق السادة في فلسفة نيتشه ( 1900 م ) Nietzsche ) وقد كان الصوفية على عكس الفقهاء يرون أن القلب وليس الجوارح هو مناط التكليف ( الإلزام ) فتأدى بهم هذا إلى تقديم النية على العمل ، وربط أخلاقية الأفعال ببواعثها دون نتائجها ، وأفضى هذا بالبعض إلى القول بأن غاية التكليف الشرعي هو الاتصال باللّه ومعرفة حقيقته عن طريق التصفية والتطهير فإذا اتصل السالك بريه تحققت الغاية وسقط عنه التكليف ! ومن هنا جاءت الإباحة ، أما ابن عربى فقد رأينا كيف انتهى بنظريته في وحدة الوجود إلى أن مصدر التكليف هو اللّه والمكلف بتنفيذه هو اللّه الظاهر في صورة الإنسان ، « فالآمر والمأمور واحد » ، وتأدى هذا إلى امتناع التفرقة بين الخير والشر ، بين الاستقامة والإباحة ، لأن الأفعال في ذاتها ليست خيرا ولا شرا ، وإنما تكون كذلك لاعتبارات عرضية أشرنا إليها من قبل ، واختفى الإلزام الخلقي بمعناه الدقيق .