مجموعة مؤلفين

176

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

ولكن ابن عربى قد شارك غيره من الصوفية منذ أيام رابعة العدوية ( المتوفاة عام 185 ه ) في قطع الصلة بين أخلاقية الأفعال الإنسانية وجزاءاتها ونتائجها ، إذ اتجه بدوره إلى حب اللّه لذاته ، والعمل بتعاليمه حبا له وكسبا لمرضاته ، لا طمعا في نعيمه ولا خوفا من جحيمه ، وتحدث طويلا عن هذا الحب الروحاني النزيه ، وآثره على الحب الطبيعي الذي يستهدف تحقيق المآرب - وهو حب الهوى فيما سمته رابعة العدوية - وأرجع ابن عربى إلى الحب الإلهى النزيه كل نزعة أخلاقية ، ورفع الجزاءات باعثا على فعل الخير أو ارتكاب الشر وردّ أخلاقية الأفعال إلى البواعث والنيات دون النتائج والآثار ، فباعدت هذه النزعة بينه وبين التجريبيين من النفعيين والوضعيين من الأخلاقيين ، وان ظلت معها مسافة الخلف بينه وبين الحدسيين منهم بعيدة جدا « 1 » . بقي أن نقول إن ابن عربى وغيره من اتباع وحدة الوجود لم يكونوا أول من هدم مقومات المشكلة الأخلاقية - كما أشرنا من قبل - فإن المعراج الروحي عند الصوفية - قبل ابن عربى - ينتهى بالسالك إلى أقصى غاياته ، وهي الفناء ( أو السكر أو الغيبة أو غير ذلك من أسماء ) وفيه يفقد السالك - وقد أسكره حب اللّه - وعيه ، ويذهل عن نفسه ، ويغفل عن الدنيا حوله ، ويغيب عن شعوره ولا يشعر بغير فعل اللّه وإرادته المطلقة التي تسير كل شئ ، وقدرته المطلقة التي تدبر كل شئ - هذه هي وحدة الشهود وفيها تمحى صفات النفس ، وترتفع حجب الاختيار والتصرف والتدبير ، ومن هنا كان تجرد الصوفية التام عن إرادتهم وقدرتهم معا . وإذا عرفنا أن فلسفة

--> ( 1 ) من طريف المفارقات أن إمام الحدسيين المحدثين من الأخلاقيين « كانط » + 1804 قد رأى - بعد ابن عربى بخمسة قرون - أن العقل يضع القانون الأخلاقي ويفرضه على صاحبه - بلغة ابن عربى ( مع التفاوت البين في المعنى ) الآمر والمأمور واحد ولكن ابن عربى استبعد الإلزام ونفى الحرية ، بينما أقام كانط الإلزام قانونا صوريا صارما لا يعرف استثناءا ، وجعله شاهدا على حرية صاحبه - الذي يفرضه على نفسه ، ويطيعه بمحض إرادته - ( انظر كتابنا الفلسفة الخلقية : نشأتها وتطورها في الفصل الثالث من الباب الرابع )