مجموعة مؤلفين

167

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

وهكذا استبعد ابن عربى رأى المعتزلة الذين جعلوا الإنسان رب أفعاله ، فقال إنها ليست من عمله لأنه مجرد قابل لا يملك إتيان فعل إلا إذا اكتسب قوة الفعل من فاعل ، والفاعل هو اللّه ، إنما اللّه عنده فاعل كل فعل ، حتى قيام فرعون بصلب الناس وتقطيع أيديهم وأرجلهم ، قام بهذه الأفعال اللّه الظاهر في صورة فرعون « وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى « 1 » » « 2 » ولكننا حين نعزو الأفعال إلى أعيان الممكنات نسميها أسبابا ، فإذا عزوناها إلى الفاعل الحقيقي ( وهو اللّه ) لم نردها إلى أسباب جزئية « 3 » ، بل إن السالك الذي يصل إلى عين القرب من اللّه فيتحقق بوحدته الذاتية مع اللّه ( وهي غاية التصوف عند ابن عربى وأمثاله من أصحاب وحدة الوجود ) يسير مجبرا على الوصول إلى اللّه ، فإذا قدر له ألا يصل إلى اللّه كان مجبرا على الحرمان وإن كان مصيره في الحالة الأولى أن يكون مع أهل الجنّة ، وفي الحالة الثانية أن يكون مع أهل النار المحجوبين - وإن حصلوا بعد هذا على نعيم القرب من اللّه وأصبحوا في نعيم « 4 » ، وتمشيا مع هذا ذهب ابن عربى إلى القول بأن إيمان فرعون صادق ، ومن ثم ينجو من عذاب الجحيم ، وخالف بهذا صريح الآيات القرآنية وتعرض للتكفير ، وإن ذهب في تأويلاته - جريا على عادته - إلى تفسير فرعون بالنفس الشهوانية في أقوى صورها ، وبالتالي يقول إن فرعون لم يفعل إلا ما قضت به أوامر اللّه ( التكوينية ) ، وإن خالف أوامره التكليفية فبدت طاعته في صورة معصية « 5 » . وإذا كان الأمر كذلك فما معنى الثواب والعقاب ؟ إنهما مجرد تعبير عن فطر البشر ، وما ينشأ عنها من لذة أو ألم في الحياة الدنيا ، إنهما ليسا جزاء إلهيا في الدار الآخرة ، بل هما جزاء طبيعي لأفعال الإنسان وتصرفاته ،

--> ( 1 ) المصدر نفسه 2 : 136 ( 2 ) سورة الأنفال آية 8 . ( 3 ) فصوص الحكم 2 : 314 ( 4 ) فصوص الحكم 123 - 4 ( 5 ) المصدر نفسه 298 - 9