مجموعة مؤلفين
168
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
فلا يحمد العبد إلا نفسه ولا يذم إلا نفسه ، واللّه هو الممدوح دواما لأنه يفيض الوجود على العبد « 1 » . ومع هذا لا يرى ابن عربى تناقضا بين قوله إن اللّه يشاء وقوع المعصية وقوله بتحريم ارتكابها ، لأن فعل المعصية من حيث هو ، فعل تقضى به المشيئة الإلهية ، ولا شأن لها بتحققه على يد إنسان معين ، إذ يرجع هذا التحقق إلى الإنسان نفسه ، فإن أتى ما أمر به اللّه كان طاعة ، وإن خالف أمره كان معصية « 2 » ، والأفعال في ذاتها لا توصف بأنها خير أو شر ، إنما تضاف إليها صفة الخير أو الشر لاعتبارات عرضية خمسة : هي إخضاعها لمقاييس العرف الاجتماعي ، أو مخالفتها للطبع ، أو عدم موافقتها للغرض ، أو اختلافها مع معايير الشرع ، أو قصورها عن درجة الكمال المطلوب « 3 » ، وتفسر موافقتها للغرض بأن حكمنا على الخير أو للشر مرده إلى مدى علم من يصدر الحكم بموضوع حكمه ، فيكون الفعل شرا متى جهلنا حقيقة الخير الكامن فيه ، ذلك أن لكل شئ ظاهرا وباطنا ، فالدواء مر في ظاهره وهو خير للمريض في حقيقته ، فإذا جهلنا حقيقته حكمنا عليه بأنه شر ، وواقع الأمر أن الدواء في ذاته ليس خيرا ولا شرا ، إنما يكون خيرا حين يصلح علاجا لمريض ، وشرا حين يقصر عن تحقيق غرضه ، ومثل هذا يقال في سائر الأشياء وينسحب على أفعال الإنسان ، وهكذا لا تكون الأفعال في ذاتها موضع مدح أو ذم ، ولكنها - كما قلنا - محتومة الوقوع إلا أن ابن عربى برغم هذا يحمل العبد جزءا من تبعة أعماله بصورة ما ، فيقول إن الطاعة والمعصية تصدران عن طبيعة الإنسان التي تخضع لقانون الوجود وهو قانون المشيئة الإلهية ، ولكنه يرى أن العبد من حيث خضوعه في أفعاله لطبيعته يعد مسؤولا عن خيرها وشرها « 4 » وأدنى من هذا إلى منطق العقل أن يقول ابن
--> ( 1 ) المصدر نفسه 1 : 41 و 2 : 64 و 163 - 4 . ( 2 ) المصدر نفسه 2 : 228 . ( 3 ) المصدر نفسه 339 . ( 4 ) المصدر نفسه 228 - 9 .