مجموعة مؤلفين
166
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
الشر اقتضته طبيعة عينه الثابتة ، وقضى اللّه بذلك منذ الأزل ، ففعل الشر لا يوصف في ذاته بأنه خير أو شر ، إنما يوصف بذلك حين يقاس بالمعايير الخلقية أو الدينية - وهي الأوامر التكليفية « 1 » - إن أفعال الناس جميعا تصدر بمقتضى الإرادة الإلهية ( الأمر التكويني ) وإن خالف بعضها أوامر اللّه التكليفية . إن أفعال الإنسان تصدر عن نفسه ؛ ولكن بمقتضى طبيعته ، والقوانين التي تحكمه وهي منذ الأزل ثابتة غير متغيرة حتى أن اللّه نفسه لا يملك تغييرها ، والإنسان يختار من بين الأفعال الممكنة فعلا يريده اللّه منذ الأزل ، إن عناية اللّه قد اقتضت أن تتحقق أفعال الناس على نحو ما استقر في أعيانها الثابتة بمعنى أن الإنسان إذا أتى خيرا جاء هذا عن استعداده الأزلي لإتيان الخير ، وإذا أتى شرا صدر هذا عن استعداده الأزلي لإتيان الشر ، وجنى العبد في الحالين ثمرة عمله أي ثمرة ما فطر عليه منذ الأزل « 2 » ، فالشر يفسر بأن اللّه قد أمر صاحبه بما يخالف إرادته الإلهية « ولا يكون إلا ما أراد اللّه ، ولهذا كان الأمر ، فأراد الأمر فوقع ، وما أراد وقوع ما أمر به المأمور ، فلم يقع من المأمور فسمى مخالفة أو معصية « 3 » ، فكل موجود يعين مصير نفسه ويحقق لها السعادة أو الشقاء ، وكل ما ينشأ عن أفعاله من مدح أو ذمّ مرده إلى عينه الثابتة التي اقتضت صدور هذه الأفعال عنه منذ الأزل ، واللّه يأمر العبد بأن يأتي أفعالا ، وينهاه عن أخرى ويريد اللّه في نفس الوقت أن يطيعه بعض الناس ، وأن يعصيه بعضهم الآخر ، وهو تعالى لا يعلم إلا ما هو واقع ولا يريد إلا ما يعلم ، فالعبد في كل أفعاله - خيرا كانت أو شرا - يطيع الإرادة الإلهية لأنه لا يأتي منها إلا ما طابق إرادته الإلهية ، فإن أتى فعلا طابق الأمر أو النهى الإلهى كان طاعة أو خيرا وإلا كان معصية أو شرا ، ومن أجل هذا جاءت كل المعاصي والشرور بمقتضى إرادة اللّه وعلمه الأزليين » « 4 »
--> ( 1 ) المصدر نفسه 1 : 41 ، 2 ، 65 ( 2 ) فصوص الحكم : 1 ، 41 ، 2 : 163 . ( 3 ) فصوص الحكم : 1 : 98 ( 4 ) المصدر نفسه 1 : 98 - 9 ج 2 : 103 - 104