مجموعة مؤلفين

165

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

العالم ، وأن التسليم بها هو الذي تأدى إلى رضاء الصوفي المطلق بقضاء اللّه وقدره ، ومحاولته التحرر من ربقة العبودية الشخصية للتحقق بالوحدة الذاتية مع اللّه « 1 » ، فكل شئ في العالم يجرى بمقتضى قانون الجبرية الأزلية ، ويقتضى هذا الاعتقاد بأن كل إنسان يولد عاصيا أو مطيعا ، شريرا أو خيرا ، وفقا لما طبعت عليه عينه الثابتة في العلم القديم « 2 » . ويعرض ابن عربى لتفسير القضاء والقدر فيقول إن القدر تعيين وقوع شئ على ما هو عليه في وقت محدد ، وأن القضاء - الذي يعقبه - يتمثل في حكم اللّه بأن تكون الأشياء على ما هي في ذاتها على نحو ما عرفها منذ الأزل « 3 » وبهذا يكون كل شئ قد تقرر مصيره وفقا لما اقتضته طبيعته الثابتة ، واللّه يعرف ذلك منذ الأزل ولا يستطيع أن يغير منه شيئا ، لأن إرادته تقصر عن المستحيل قال تعالى : « وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ « 4 » » وقال : « وما أنا بظلّام للعبيد « 5 » » . ويرى ابن عربى أن الإرادة الإلهية يراد بها العناية الإلهية ، أو الأمر التكويني الذي يشبه في مذهبه الجبري القانون العام الذي يحكم الوجود ، وبمقتضاه يسير كل شئ في الكون حتى أفعال الإنسان تجرى وفاقا له . وتمشيّا مع هذا يرى ابن عربى أن كل ما يبدو من خير أو شر مقدّر أزلا بمقتضى طبيعة الوجود نفسه ، وينشأ عن هذا ( وجود خير أو شر ) مهتدون أخيار وضالون أشرار ، واللّه يعلم الأشياء على ما هي عليه ، ويريدها كما يعلمها « 6 » فالعبد يأتي الشر بمقتضى مشيئة إلهية - أو أمر تكويني - أي أن

--> ( 1 ) فصوص الحكم 2 : 22 . ( 2 ) المصدر نفسه 158 - 9 . ( 3 ) ابن عربى : فصوص الحكم 155 - 6 . ( 4 ) سورة النحل آية 16 ، وانظر سورة آل عمران آية 3 . ( 5 ) فصوص الحكم 1 : 4 . ( 6 ) المصدر نفسه : ج 1 و 118 ؛ 2 : 62 - 3 .