مجموعة مؤلفين

160

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

ما أبغضه ، وأن ينصرف عن كل ما يشغل اللّه ، ويقتدى برسول اللّه ويلزم سنته ، قال تعالى « قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ « 1 » » وبهذا ارتدت أخلاق السالكين إلى الحب الإلهى ، لأن قوامه إيثار ما للّه على على ما للنفس ، والتضحية في سبيل الغير ، وتطهير القلب من آفات الرذائل ، وطاعة اللّه ، وإقامة حدوده حتى قال يحيى بن معاذ الرازي : « ليس بصادق من ادّعى محبته ولم يحفظ حدوده . » مكان ابن عربى من هذه التجربة الروحية : قلنا إن ابن عربى قد عاش التجربة الروحية التي عاشها غيره من الصوفية ، وأنه عانى المجاهدة والمراقبة والمحاسبة ونحوها مما عاناه غيره فانتهى إلى نظرية فلسفية في وحدة الوجود جمع فيها بين اللّه والعالم في حقيقة واحدة ، وترتبت على هذه النظرية نتائج ميزّته من غيره من الصوفية من ناحية ، وكان لها نتائج لها خطرها في تاريخ الفكر عامة والفكر الأخلاقي بوجه خاص . أما الجانب الذي شارك فيه غيره من الصوفية فيبدو فيما كتبه عن المجاهدة والجوع والفقر والزهد والقناعة والصبر والرضا وغيره من مراتب المعراج الروحي . وقد رأى ابن عربى - كما رأى غيره من الصوفية خاصة - أن الغاية القصوى لحياة الإنسان هي السعادة أو الكمال ، يقول : « كذلك الإنسان خلق للكمال ، فما صرفه عن ذلك الكمال إلا علل وأمراض طرأت عليهم . . . « 2 » » وما هذه العلل إلا حجاب الحس الذي يعوق السفر إلى اللّه ، ولا يزول بغير المجاهدة التي عرفها بأنها « حمل مشقة وجهد نفسىّ وحسىّ » ، وقد تحدث في فصل طويل من فتوحاته عن « كيمياء السعادة » التي تترقى بها النفوس الخسيسة حتى تحقق أقصى غاياتها من الكمال ، تشبيها للتغير الذي

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، آية 31 . ( 2 ) ابن عربى : الفتوحات المكية 2 : 270