مجموعة مؤلفين

161

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

يدرك الحياة النفسية عند السالكين إلى اللّه ، بالتغير الذي يدرك العناصر الخسيسة حين تتحول في الكيمياء الطبيعية إلى ذهب ، عن طريق السفر إلى اللّه في معراج روحي تحدث عنه ابن عربى في أكثر من كتاب من كتبه ، وأبان عن مراحله والترقي في مقاماته وجاهر بأن ما يعوق النفس عن التوصل إلى كمالها هو حجاب الحس الذي يرتفع بمجاهدة النفس ومحاربة نزواتها وقمع شهواتها حتى تتحقق لها التصفية والتطهير ، فندرك بالكشف ألا موجود إلا اللّه وأن سائر الممكنات صورة يتجلى فيها ، ولا يتحقق هذا بنظر عقلي ولا إدراك حسى ، بل الذوق - أو العيان الذي يقابل البرهان عند الفلاسفة ، ومن أجل هذا أوجب على من ينشد السعادة أن يسعى إليها بالعمل والتقوى والسلوك حتى يكون الكشف المحقق الذي لا تدخله الشبه ، وذلك إنما يكون « بكثرة الطاعات حتى يكون الحق سمعه وبصره وجميع قواه ، فيعرف الأمور كلها باللّه ، ويعرّف اللّه باللّه » ، ويناشد من يريد التحقق بهذا المقام فيقول « اشتغل بامتثال ما أمرك اللّه به من العمل بطاعته ومراقبة قلبك قلبك فيما يخطر فيه ، والحياء من اللّه والوقوف عند حدوده والانفراد به ، وإيثار جنابه حتى يكون الحق جميع قواك « 1 » . . . » وعرض ابن عربى للمعراج الروحي في كتاب « الإسرا إلى المقام الأسرى » فأشار إلى أن النفس تترقى فيه من عالم الشهوات إلى عالم الروح حيث يحيا السالك بالإيمان والفضائل التي تتحقق بالمجاهدة ، وقد شبّهه بالمعراج النبوي وجاهر بأن الصوفية ورثة النبي الذين يلتزمون بشريعته ويعملون بسنته ، يتحقق لهم القرب من اللّه بدوام ذكره والتأمل في أسرار كتابه ، والبراق الذي يحملهم إلى اللّه هو المحبة الإلهية ، فإذا بلغوا النور - الذي رمز له بالمسجد الأقصى - اقتدوا بالنبي في الوقوف إلى جانب حائطه - وهو صفاء القلب - فإذا شربوا اللبن الذي رمز به للعلم اللدني والكشفي - طرقوا أبواب السماء - التي رمز بها لمجاهدة النفس - ورأوا وراء أبوابها الجنة والنار ، ووصلوا

--> ( 1 ) ابن عربى : الفتوحات المكية 2 : 297 - 8