مجموعة مؤلفين

127

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

لم يرغب في مقامهم ، بينما هم كانوا راغبين في مقامه ، ثم يشهد له بعد ذلك ( ص 152 ) أنه « ما مات حتى كان قطبا قبل موته بساعة أو ساعتين » ، أخبره بذلك أبو يزيد البسطامي في رؤيا رآها . وهذا التوحيد الذي نادى به أبو مدين قد جرّ عليه سخط الفقهاء ، فوشوا به عند يعقوب المنصور ، سلطان الموحدين ، وقالوا له تمكينا لوشايتهم : « إنّا نخاف منه على دولتكم ، فإن له شبها بالإمام المهدى ، وأتباعه كثيرون بكل بلد » « 1 » . ووقعت هذه الوشاية في نفس يعقوب المنصور « وأهمه شأنه . فبعث إليه في القدوم عليه ليختبره . وكتب لصاحب بجايه بالوصية به والاعتناء ، وأن يحمل خير محمل . فلما أخذ في السفر شقّ على أصحابه وتغيروا وتكلموا . فسكتهم وقال لهم : إن منيتي قربت ، ولغير هذا المكان قدرت ، ولا بد لي منه ، وأنا شيخ كبير ضعيف لا قدرة لي على الحركة . فبعث اللّه تعالى من يحملني إليه برفق ، ويسوقنى إليه أحسن سوق ، وأنا لا أرى السلطان ولا يراني . فطابت نفوسهم وذهب بؤسهم ، وعلموا أنه من كراماته . فارتحلوا به على أحسن حال ، حتى وطئوا به حوز تلمسان فبدت له رابطة العبّاد فقال لأصحابه : ما أصلحه للرقاد ! فمرض مرض موته . فلما وصل وادى يسر ، اشتد به المرض ، ونزلوا به هناك فكان آخر كلامه : اللّه الحق . وتوفى . . . فحمل إلى العباد مدفن الأولياء الأوتاد » . ولما وقعت هذه المحنة لأبى مدين سعى ابن عربى - فيما يبدو - لإزالتها وكان في ذلك الوقت في فاس ، فبذل مساعيه ما استطاع لإنقاذ شيخه مما دبره له فقهاء الظاهر ، لكن لم يكن لابن عربى من المكانة ما يسمح لشفاعته أن تنجح . ونراه يغتم لما وقع لشيخه من اتهام ، كما ذكر ذلك في « الفتوحات » إذ يروى أنه ذهب وبعض الأبدال إلى جبل قاف ، فمروا بالحية التي تحدق به . فقال البدل لمحيى الدين : سلّم على الحية فإنها سترد عليك السلام . فسلموا عليها فردت ثم قالت : من أي البلاد ، فقالوا من

--> ( 1 ) المقرى : نفح الطيب ، ج 4 ، ص 272 .