مجموعة مؤلفين

128

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

بجاية . فقالت : ما حال أبى مدين مع أهلها . فقالوا لها : يرمونه بالزندقة . فقالت : عجبا واللّه لبنى آدم إذ واللّه ما كنت أظن أن اللّه عز وجل يوالى عبدا من عبيده فيكرهه أحد . فقالوا لها : « ومن أعلمك به ؟ فقالت : سبحان اللّه ! وهل على الأرض دابة تجهله . إنه واللّه ممن اتخذه اللّه تعالى وليا ، وأنزل محبته في قلوب العباد فلا يكرهه إلا كافر أو منافق » . وهذه الحية هي طبعا لسان حال ابن عربى هاهنا . وهذا هو الذي يفسر النبرات الأليمة التي يتحدث بها هنا . لقد ظل ابن عربى مخلصا كل الإخلاص لذكرى شيخه أبى مدين ، ولم نره تحدث عن شيخ من معاصريه بهذه الحرارة وهذا التقدير الذي يبلغ مرتبة التقديس الكامل . ولمّا مرّ بتلمسان في رحلة إلى الشرق توقف أمام قبره في العباد ، وكأن لسان حاله يقول : لبيك يا أبا شعيب ! يا قطب العارفين ، ومرشد السالكين ، يا قبسا من نور سيد المرسلين ! لبيك يا أنيس الوحوش ، وحبيب الطيور ، وراعى النفوس ، ومالىء الكئوس بحميّا التوحيد . ونحن نضم صوتنا إلى صوت ابن عربى ، وإن كان فريق من الناس يرى أن صوت أبى مدين وصوت ابن عربى يرنان اليوم رنين العملة الزائفة في عصر الآلية والصناعة الفنية والإنتاج الصناعي . ولكننا نقول لهم : كلا ، بل ما أجمل صوتهما الرائع الصافي بين صفير صفارات المصانع وزئير آلات الدمار الحديث ! وما أبهى وجهيهما بين دخان المداخن وشحوب عبيد الآلات ! لأن صوتهما هو نداء الإنسانية الخالدة ، الإنسانية التي ضاعت قيمها في هذا العصر تحت تأثير « ثورة الجماهير » وطغيان التكنيك وعبادة زيادة الإنتاج وتضخم النقود . ولأن نظراتهما الرفافة الثاقبة الوضاءة هي الأنوار في ظلمات المادية المفرطة والاحتكارات القاتلة لكل معنى نبيل في الإنسان . ألا فلنهتف أيضا : لبيّك أبا مدين ! ولبيك محيي الدين !