مجموعة مؤلفين

116

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

السائرين » ، كيما نعطى لحياتنا بعدا رابعا يحس كل إنسان أنه ينقصه ، ويتفاوت الناس في هذا الإحساس ، وفقا لارتفاع حياتهم الروحية وإرهاف حساسيتهم . وعالم الأولياء عالم خاص قائم برأسه ، إمّا أن يؤخذ كلّه أو يطرح كله ، عالم رمزى خالص ، ابتدعته هذه الأرواح النبيلة العالية ليخلقوا للإنسان معاني جديدة على الأرض . إنهم كالشعراء ، يخلقون عوالم خاصّة ، يهرب إليها الإنسان ، أو بالأحرى يحيا فيها الطامحون بأبصارهم إلى ما فوق التراب ، يأسا من عالم الفعل والواقع ، وشحذا للهمم إلى عالم أسمى ، عالم إنساني مع ذلك . والأولياء من أجل هذا يجذبون العلوي إلى الأرضي ، ويرفعون الأرضىّ إلى العلوي ، حتى يتألف من هذا المزيج الجديد عالم جديد يهيبون بالنفوس الظامئة إلى المثل الأعلى أن تدخل فيه ، ولو في لحظات من حياتهم اليومية . لهذا نراهم يمجدون الإنسان في اللّه ، ويمجّدون اللّه في الإنسان ، ولسان حالهم قول الحلّاج : سبحان من أظهر ناسوته * سرّ سنا لاهوته الثاقب إنهم يسعون إلى الباطن حينما يرون الناس عاكفين على الظاهر ، ويطلبون الحقائق بينما يطلب غيرهم الوقائع ، وينشدون الحاضر السرمدىّ ، بينما يعيش سواهم في الزمان بآناته الثلاثة وتاريخه . صحيح أنهم يسلكون في سبيل الوصول إلى الحقائق والباطن والآن المستمر سبيلا غير سبيل العقل والمنطق العقلي . لكن من أدرانا أن العقل هو الوسيلة الوحيدة للمعرفة ؟ - إننا نشاهد اللامعقول يصرخ في معظم أحداث الحياة ووقائعها . فكيف نريد منهم أن يقتصروا على العقل ، ولا ينشدوا ملكة أخرى للإدراك ؟ صحيح أن الملكة التي يقولون بها - تحت أي اسم شئت : الكشف ، الذوق ، العيان ، المشاهدة الخ - ملكة غامضة لا حدود لها ولا ضوابط ، وغالبا ما تختلط بالهذيان والأوهام ، ومبتدعات الخيال وأماني التفكير ؛ ولكنها على كل حال تؤدى - ولو موقتا - دورها في محاولة الإنسان استكناه ما صعب على العقل أن