مجموعة مؤلفين
117
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
يفسره بالمنطق والقوانين العقلية والطبيعية . ومن هنا فلا بأس ، حتى عند أشدّ الناس إيمانا بالعقل ، والعقل وحده - من الاستعانة بهذه الملكة استعانة موقوتة إلى حين يستطيع العقل أن يفسرها التفسير العلمي العقلي . وكلما استطاع العقل العلمي أن يفسر شيئا مما كانت الملكة الأخرى تقول فيه بنظرتها الخاصّة ، استبعد هذا الذي فسر . بيد أن سعة المشاكل التي لم تخضع بعد للتفسير العقلي أكبر من أن يؤثر فيها مثل هذا الاستبعاد . فلا ضير إذن في الإجابة بالكشف والذوق والمشاهدة الروحية حيثما يعجز العقل العلمي عن التفسير والإدراك . وفي هذا جواب - فيما نرجو - عن تساؤل الذين يتساءلون عن فائدة الأولياء في هذا العصر الحاضر ، عصر العلم التجريبى الدقيق والقوانين الطبيعية الجبرية . ونحسب في هذا تبريرا كافيا لمن عساهم أن يأخذوا علينا اختيارنا لبعض الصوفية موضوعا للبحث : إنهم في نظرنا إشارات وتنبيهات إلى الجانب الآخر في الإنسان . . . . ومقالنا هذا عن ولييّن شامخين لهما بمراكش أوثق صلة ؛ ففي هذا المغرب الغنىّ بالحياة الروحية العميقة المتصاعدة أمضى كلاهما فترة حافلة خصبة من حياته ؛ وفي فاس بالذات تلقيا تنشئتهما الروحية . فأبو مدين « 1 » قرأ بفاس بعد قدومه من الأندلس على الشيخ الحافظ أبى الحسن بن جرزهم ، وعلى الفقيه الحافظ العلامة أبي الحسن بن غالب . وذكر عنه أنه قال : كنت في أول أمرى وقراءتي على الشيوخ إذا سمعت تفسير آية أو معنى حديث قنعت به وانصرفت لموضع خال خارج فاس أتخذه مأوى للعمل بما فتح به على فإذا خلوت تأتيني غزالة تأوى إلىّ وتؤنسنى . وكنت أمرّ في طريقي بكلاب القرى المتصلة بفاس فيدورون حولى ، ويبصبصون لي . فبينما أنا يوما بفاس ، إذا برجل من معارفى بالأندلس سلّم علىّ . فقلت : وجبت ضيافته . فبعت ثوبا بعشرة دراهم ، فطلبت الرجل لأدفعها له ، فلم أجده
--> ( 1 ) « نفح الطيب » ح 4 ، ص 269 - ص 270 ، القاهرة سنة 1302 ه .