سهيلة عبد الباعث الترجمان

800

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

فُرْقاناً « 1 » ، فيحصل لصاحب الهمة في الخلوة مع اللّه وبه جلّت هبته وعظمت منّته من العلوم ما يغيب عندها كل متكلم على البسيطة ، بل كل صاحب نظر وبرهان ليست له هذه الحالة ، فإنها وراء النظر العقلي " « 2 » . هكذا كان شأن ابن عربي في ما أشار به إلى مصدر علمه ومعرفته حيث قال : " جميع ما أتكلم به في مجالسي وتآليفي إنما هو من حضرة القرآن العظيم ، فإني أعطيت مفاتيح العلم فيه ، فلا أستمد قط في علم من العلوم إلا منه ، كل ذلك حتى لا أخرج من مجالسة الحق تعالى في مناجاته بكلامه أو بما تضمنه كلامه " « 3 » . كذلك قوله : وليس عندي بحمد اللّه تقليد لأحد غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فعلومنا كلها محفوظة من الخطأ " « 4 » . وقد نبّه ابن عربي إلى حقيقة هذا العلم الإلهي وبعده عن الأخذ بالعقل ، لذلك دعا إلى عدم الخلط بين الصوفي والفيلسوف فيما يوردانه من مسائل وذلك بقوله : إذا سمعت قول فيلسوف فلا تقول الصوفي فيلسوف ، وذلك لاختلاف الطريق في الوصول إلى تحقيق الغاية : وهي العلم الإلهي ، إذ لا سبيل إلى ذلك بالعقل لأن العقل قاصر عن الإحاطة به ، ولا يدركه مطلقا ، وقد صدق القائل في قوله : ما هلك امرؤ عرف قدره ، فو اللّه ما يعرف الأمور إلا من شهدها ذوقا وعاينها كشفا . وربما كان هذا هو السبب في ذمّ الفلاسفة ، إذ ليس بينهم وبين أهل التحقيق مناسبة ، وقد أخبر ابن عربي عن سبب ذمّهم بقوله : إن الفلاسفة ما ذمت لمجرد هذا الاسم ، وإنما هو لما أخطأوا فيه من العلم المتعلق بالإلهيات ، فإن معنى الفيلسوف هو محب الحكمة ، وسوفيا باللسان اليوناني هو الحكمة ، وكل عاقل بلا شك يحب الحكمة ، غير أن أهل الأفكار خطئوهم في الإلهية أكثر من إصابتهم سواء كان معتزليا أو فيلسوفا وكان من أصناف أهل النظر « 5 » ، ويعزو ابن عربي هذا الخطأ إلى التأويل الذي أخذوا به لتبرير علومهم فأشار

--> ( 1 ) سورة الأنفال ، الآية : 29 م . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، المقدمة ، ص 34 . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ( صادر ) ، ص 334 . ( انظر اليواقيت للشعراني ، ص 24 . وانظر كشف الظنون لحاجي خليفة ، الجزء الثاني ، ص 1238 ) . ( 4 ) الشعراني ، اليواقيت ، ص 24 . ( 5 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ( صادر ) ، ص 523 . ( انظر الشعراني ، اليواقيت والجواهر ، ص 27 ) .