سهيلة عبد الباعث الترجمان
801
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
بقوله : لقد دخلت الخلوة وعملت على الاطلاع على الحقيقة الإدريسية فرأيت أن الخطأ إنما دخل على الفلاسفة من التأويل ، وذلك لأنهم أخذوا العلم عن إدريس عليه السلام ، فلما رفع إلى السماء اختلفوا في فهم شريعته كما اختلف علماء شريعتنا فأحلّ هذا ما حرّم هذا وبالعكس « 1 » . ولعل ما دفع ابن عربي إلى موقفه هذا من الفلاسفة هو عدم تصديقهم لأقوال الصوفية وأحوالهم حيث أنهم كذبوهم في كثير منها ، فيشبههم بأهل الكتاب الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ، " وبهذه المثابة هم أصحاب الرسوم ، وأكثر أهل النظر الفكري من الفلاسفة وأصحاب الكلام يصدقون ببعض ما يأتي به أولياء اللّه مما يتحققون به من المواجيد والأسرار التي شاهدوها ووجدوها ، فما وافق نظرهم وعلمهم صدقوا به ، وما لم يوافق نظرهم وعلمهم ردّوه وأنكروه وقالوا هذا باطل لمخالفة دليلنا ، ولعل دليل هذا المسكين لم يكمل أركانه ، وهو يتخيل أنه كامل ؛ فهلّا سلّم هذا القول لصاحبه ولا يلزمه التصديق ، فكان يجني ثمرة التّسليم " « 2 » وقد أشار ابن عربي إلى موقفهم هذا في إنكارهم لعلوم الصوفية بقوله : " وأما الفلاسفة فيقولون عنا هؤلاء قوم أهل هوس قد فسدت خزانة خيالهم فضعفت عقولهم ، ويا ليتهم إذا لم يصدقونا جعلونا كأهل الكتاب لا يكذبونا فيما لم يخالف شرعنا ، مع أنا لا يضرنا بحمد اللّه إنكارهم علينا لجهلهم " « 3 » . وقد نصح ابن عربي الإمام محمد بن عمر الخطيب الرازي الابتعاد عن طريق العقل والأخذ بالعلم الإلهي بعيدا عن الاشتغال بالمحدثات وتفاصيلها كي لا يفوته حظه من ربه ، كما ينبغي للعاقل أن يخلي قلبه عن الفكر إذ أراد معرفة اللّه تعالى من حيث المشاهدة ، كذلك كما ينبغي للعالي الهمة أن لا يكون معلمه وشاهده مؤنثا متعلقا بالأخذ من النفس الكلية ، وينبغي له أن لا يتعلق بالأخذ من الفقير أصلا ، وكل ما لا كمال له
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 523 . ( انظر الشعراني ، اليواقيت ، ص 27 ) . ( 2 ) ابن عربي ، كتاب الفناء في المشاهدة ، ( رسائل ) ، ص 7 . ( 3 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ( صادر ) ، ص 591 . ( انظر الشعراني ، اليواقيت ، ص 25 ) .