سهيلة عبد الباعث الترجمان

799

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

الآخرة ، وآثروا جانب الخلق على الحق ، وتعودوا أخذ العلم من الكتب ومن أفواه الرجال الذين من جنسهم ، ورأوا في زعمهم أنهم من أهل اللّه بما علموا وامتازوا به عن العامة ، حجبهم ذلك عن أن يعلموا أن للّه عبادا تولى اللّه تعليمهم في سرائرهم بما أنز - له في كتبه وعلى ألسنة رسله ، وهو العلم الصحيح عن العالم المعلّم الذي لا يشك مؤمن في كمال علمه ولا غير مؤمن " « 1 » . فهؤلاء المنكرون من الفقهاء هم الذين لا حظّ لهم من شرب المحققين . كما كان ابن عربي ينهى عن الخوض في علم الكلام وذلك في حق من يتكلم فيه بالنظر والفكر ، إذا الفكر كثير الخطأ في الإلهيات ، فيقول : إياك أن تقنع في باب معرفة اللّه تعالى بدون الكشف كما عليه طائفة النظّار والمتكلمين ، فإن المتكلمين يظنون عند نفوسهم أنهم ظفروا بمطلوبهم بما نصبوه من العلامات وشاهدوه من الحقائق ، فتراهم يسكنون إلى ما حصل عندهم من الاعتقاد المربوط ، ويكفّرون من خالفهم ، وذلك قصور في المعرفة ، ولو اتّسع نظرهم لأقرّوا جميع عقائد الموحدين بحق " « 2 » ومن هنا جاءت دعوته بعدم الأخذ بعلم الكلام ، بل الاقتداء بأهل التحقيق والأخذ بعلومهم المؤدية إلى معرفة الحقيقة . لذلك يدعو ابن عربي المتأهب إلى أخذ عقيدته من القرآن العزيز ، وهو بمنزلة الدليل العقلي في الدلالة ، إذ هو الصدق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد . وقد رسم ابن عربي الطريق لهذا المتأهب لنيل المعرفة الحقيقية من اللّه وأرشده إلى ما ينبغي عمله بقوله : " فإن المتأهب إذا لزم الخلوة والذكر ، وفرغ المحل من الفكر ، وقعد فقيرا لا شيء له عند باب ربه ، حينئذ يمنحه اللّه تعالى ويعطيه من العلم به والأسرار الإلهية ، والمعارف الربانية التي أثنى اللّه سبحانه بها على عبده خضر فقال عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً « 3 » ، وقال تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ « 4 » ، وقال إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 279 . ( 2 ) الشعراني ، اليواقيت والجواهر ، ص 28 ( انظر الفتوحات ، الباب 273 ) . ( 3 ) سورة الكهف ، الآية : 65 ك . ( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 282 م .