سهيلة عبد الباعث الترجمان
798
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
يصلح في كل موطن حتى يوجد لذلك وقت وإخوان ، فربما حضر المجلس من لا يعرف طريق القوم وإشاراتهم لعدم الذوق ومطالعة أغراضهم ومواظبة مجالسة شيوخهم في أوقات ميعادهم ، فينكر عليهم علومهم . لذلك فقد جاءت دعوته صريحة بنبذ كل معرفة خالية من وجود نفحة إلهية فيها لأن العلم باللّه لا يأتي عن طريق الفكر المحض ، ولا بأيّ دليل نظري إذ لا سبيل إلى ذلك ، لأن العقل قاصر عن الإحاطة به ولا يدركه مطلقا ، ومن هنا فلا مجال للعلوم النقلية في مجال التصوف ، إذ أن النقل والناقل يعجزان عن متابعة طريق التصوف لأن مسائله ذوقية « 1 » . وهكذا فقد حدد ابن عربي موقفه من علماء الكلام والفقهاء والفلاسفة وأهل الرسوم لما تقوم عليه علومهم من نظر وفكر ، ولم يتأثر بهذه العلوم المغايرة في نهجها للذوق الصوفي ، ولم يقلد فقيها سواء كان من الذين أخذوا بالظاهر أو جاسوا خلال الكلام وأخذوا بالرأي كالقدرية والمعتزلة والفلاسفة ، وإنما يعتمد في كل ما يقوله على نصوص الكتاب وسنة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وإجماع المسلمين ، ومهما كان تأويله للآيات فهو لا يخرج عما ورد في الكتاب والسنة . وممّا يراه ابن عربي في هذا الصدد " أن الفقها ينكرون على أهل اللّه علمهم بالشريعة وذلك إذا جاءوا بشيء يغمض عن إدراكهم ، فينسبونهم إلى الجهل والعامية ، لا سيما إن لم يقرأوا على أحد من علماء الظاهر ، فينفون عنهم علمهم لاعتقادهم أنهم ليسوا بعلماء ، وإن العلم لا يحصل إلّا بالتعلم المعتاد في العرف . وصدقوا ، فإن أصحابنا ما حصل لهم ذلك العلم إلّا بالتعلم ، وهو الإعلام الرحماني الرباني ، فهو سبحانه معلم الإنسان فلا نشك أن أهل اللّه هم ورثة الرسل عليهم السلام واللّه يقول في حق الرسول وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ « 2 » . . . فصدق علماء الرسوم عندنا فيما قالوا أن العلم لا يكون إلا بالتعلم ، وأخطأوا في اعتقادهم أن اللّه لا يعلّم من ليس بنبي ولا رسول ، يقول اللّه يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ « 3 » وهي العلم ، ولكن علماء الرسوم كما آثروا الدنيا على
--> ( 1 ) ابن عربي ، كتاب الانتصار ، ( الرسائل ) ، ص 2 . ( 2 ) سورة العلق ، الآية : 5 ك ، والآية هي : عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 269 م .