سهيلة عبد الباعث الترجمان

797

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

وأخيرا وبعد أن انتهينا من دراسة حياة ابن عربي والجيلي ومذهبهما في وحدة الوجود لنا أن نتساءل : هل يعتبر الشيخان من جملة الفلاسفة أم أنهما متصوفان بعيدان عن منحى الفلاسفة وعلومهم القائمة على الفكر والنظر ؟ إن ما رأيناه خلال عرضنا لحياتهما أن نشأتهما كانت نشأة دينية بحتة ، وترددا على المشايخ في سن مبكرة لنيل العلم والمعرفة لديهم ، وتلقيا العلوم الشرعية والفقهية والعربية واللغوية ، ودخلا الطريق الصوفي ، وتخلقا بخلق أهله وأصبحا في عداد الواصلين بفضل ما تحققا به من المعرفة بالعلوم الإلهية والمعارف الربانية ، وطريقهما في ذلك كله القلب الذي فرغ من كل فكر ونظر ، فكانا صاحبي منهج ذوقي كشفي لا سبيل للعقل إليه . وقد أخبر ابن عربي في كتبه عن نهجه الصوفي الذوقي هذا وما تحقق به من علوم في قوله : أن علومنا غير مقتنصة من الألفاظ ولا من أفواه الرجال ولا من بطون الدفاتر والطروس ، بل علومنا عن تجليات على القلب عند غلبة سلطان الوجد وحالة الفناء بالوجود ، فتقوم المعاني على حسب الحضرة التي يقع فيها التنزّل « 1 » ولما كان العلم الإلهي لا يتم إلا وهبا من اللّه ، فإن ما جاء به المنكرون مردود عليهم لقوله : " بأن الحق تعالى الذي نأخذ العلوم عنه بخلو القلب من الفكر والاستعداد لقبول الواردات هو الذي يعطينا الأمر على أصله من غير إجمال ولا حيرة ، فتعرف الحقائق على ما هي عليه ، سواء كانت المفردات الحادثة بحدوث التأليف أو الحقائق الإلهية ، لا نمتري في شيء منها ، فمن هناك هو علمنا ، والحق سبحانه هو معلمنا ورثا نبويا محفوظا معصوما من الخلل والإجمال والظاهر " « 2 » . والكلام في هذا الطريق إنما هو على الفتح الرباني الموهوب اللّدنيّ لا على النظر والبحث والتفتيش ، وإنما هي مرائي الهمم مجلوّة مهيأة لتجلى الحكم وحصول المشاهدات ، فالقلوب إذا قامت بها الهمم صفت ونطقت ، فعلت ، فوصلت ، فأدركت ، فملكت ، فإن شاء اللّه تعالى وصلت وإن شاء أمسكت « 3 » . لذلك فقد سكت ابن عربي عن البوح بهذه العلوم ، فهي عظيمة القدر ، إذ هي واردة من الحضرات الإلهية على قلوب أهل الصفاء والوجود ، والكلام عليها لا

--> ( 1 ) ابن عربي ، كتاب المسائل ، الرسائل ، ص . ص 6 - 7 . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 56 . ( 3 ) ابن عربي ، كتاب الانتصار ، الرسائل ، ص . ص 2 - 3 .