سهيلة عبد الباعث الترجمان

794

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

بذاته في مظاهر أسمائه وصفاته أولى وأجدر في الحيرة وعدم الاهتداء إلى معرفة الحقيقة . . . « 1 » . ويتساءل الشيخ حسن رضوان عن كيفية الوصول إلى الفهم الصحيح الحق لوحدة الوجود ، فيقول : " إذا منّ الحق تعالى على عبد من عباده واصطفاه بصفاء نفسه من كدورة التعلق بما سواه ، وطهّره من جناب غفلاته ، ورعونات شهواته ، حتى أفناه به فيه حق اليقين ، وبلغ بذلك مرتبة جمع الجمع ، ولحقت نفسه بعالمها العلوي الأصلي ، قامت به حينئذ رقيقة لطيفة ، ذاتية حقية ، مفاضة من جانب الحق في جميع ذرّات الممكنات ، وسرّ تجليات الأسماء والصفات وظهوره في كل مظهر بحسب استعداده كشفا إيمانيا وذوقا روحانيا ، فيرى الحق في الخلق ، والخلق بالحق ، وهذا هو مشهد كمّل العارفين المحققين " « 2 » . وهكذا نرى إلى أي مدى تابع الشيخ حسن رضوان آراء ابن عربي والجيلي ، ومدى تأثره بهما إلى حد انتهاج مذهب وحدة الوجود على الصورة التي وجدناها لدى كل من الشيخين قبل عدة قرون ، مما يدل على متابعته الصادقة لهما ، فهو لم يبتكر هذه النظرية ولم يضع أصولها ، إنما تأثر بالقائلين بها وتابعها ودافع عنها . هكذا كان شأن من سبقه ممن تابعوا الفكرة لدى ابن عربي ولدى الجيلي على حد سواء . ورغم الفارق في الزمن لم نجد أي تحريف للنظرية سواء لدى ابن عربي أو الجيلي ، ويعود ذلك إلى مقدرة المتابعين لهما وحسن تفهمهم للفكرة والقصد منها ومعرفة حقيقتها ، فكان بذلك حفاظا على التراث الفكري لدى ابن عربي والجيلي وتأييدهما وتصديق نظريتهما ، والسير بها قدما حيث بلغت مرتبة عالية بين النظريات الصوفية الأخرى . وهذا مصداق لقول ابن عربي حيث يرى أن الشريعة من حظّ العوام ، ويرى الحقيقة من حظ الخواص ، وهو في هذا المسلك مسبوق بالغزالي ، فكتاب الفتوحات المكية صدى لكتاب إحياء علوم الدين . والفرق بين الرجلين أن الغزالي يحترم الأحكام الفقهية ويدرسها

--> ( 1 ) رضوان ( الشيخ حسن ) ، روض القلوب المستطاب ، ص . ص 7 - 8 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 8 . ( انظر زكي مبارك ، التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق ، ص 226 ) .