سهيلة عبد الباعث الترجمان
795
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
درس الفقيه ، ثم ينتقل إلى المعاني الصوفية فيدرسها في حرارة وشوق . أما ابن عربي فيظهر بشخصية جارفة في البابين ، فيقتحم في الفقه ، ويقتحم في التصوف « 1 » ، فظهرت بذلك أصالته التي لم تعتمد على النقول والأخذ عن الآخرين بل عن العزّة الإلهية بالكشف والوهب والمعرفة القلبية فنال بذلك العلوم اللدنية ، وكان بذلك صاحب منهجية خاصة انتفع بها كل من أخذ عنه وتأثر به في مذهبه ممن يؤمن بوحدة الوجود . كذلك شأن الجيلي فقد كان صاحب منهج صوفي ، شهد له به أهل الاستشراق ، فإنهم يرون فيه أنه المتمّم لمدرسة ابن عربي ، إذ يقول بأن جميع الحقائق المتناقضة تتوحد في الحق « 2 » ، كذلك فإنه عند مقارنة تعاليم ابن عربي بتعاليم الجيلي تظهر أن هذه الأخيرة أكثر منهجية من سابقتها « 3 » . وهكذا فإن ما يراه بعض المستشرقين أن الفترة الممتدة ما بين القرن السابع والتاسع للهجرة قد ازدهرت بالأدب الإسلامي والأدباء المبرزّين فيه من كتّاب وشعراء صوفيين كبار كان لهم أثرهم في إثراء الفكر الإسلامي بالعلوم الروحية البعيدة عن كل أثر مادي ، وعلى رأسهم جميعا ابن عربي الذي يعتبر من أساتذة المدرسة الشاذلية ، والتي التحق بها بعد ذلك عبد الكريم الجيلي وجلال الدين الرومي وابن عباد الرندي وغيرهم آخرين ، وقد كتب بعضهم بالعربية والبعض الآخر بالتركية والفارسية . وقد شهد لهم بذلك كبار المستشرقين مما يدل على مساهمتهم بإثراء الفكر الإسلامي بالعلوم الروحية البعيدة عن كل أثر مادي « 4 » . وختام القول أن تصوف ابن عربي والجيلي ومن كان على طريقهما من الصوفية السابقين عليهما واللاحقين لهما هو تصوف إسلامي مرتكز على منابع إسلامية بحتة أهمها كتاب اللّه وسنّة رسوله الكريم ، والتزامهما بالشريعة والاقتداء بالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم .
--> ( 1 ) زكي مبارك ، مرجع سابق ، الجزء الأول ، ص 143 . ( 2 ) T . Burckhardt , De L , homme universel , ll . P . l . ( 3 ) Ibid , P . l . ( 4 ) Gardet et Anawati , Mystiqeue , Musulmane , Paris , tome - l , P . 81 .