سهيلة عبد الباعث الترجمان

773

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

ويعزو ابن عربي أصل النزاع بين الناس في المعارف الإلهية إلى عدم إدراك مرماها لأنها فوق طول العقل . ويخبرنا الشعراني عن ذلك بقوله : " وكان الشيخ محي الدين بن عربي يقول : أصل منازعة الناس في المعارف الإلهية والإشارات الربانية كونها خارجة عن طور العقل ومجيئها بغتة من غير نقل نظري ومن غير طريق العقل ، فتنكرت على الناس من حيث طريقها فأنكروها وجهلوها " « 1 » ، وذلك لضيق أفق تفكيرهم بحيث لو دروا ما الأمر لما اعترضوا عليه وأنكروه ، ذلك أن العلوم الإلهية التي تأتي أصحابها من طريق الكشف وارتفاع حجاب الحس هي معرفة مباشرة لحقيقة الذات الإلهية وأسمائها وصفاتها ، بل هي معرفة تامة بحقائق الوجود ، وإدراك مباشر لأسرار الكون وبواطن الشريعة وأحكامها ، بل هي معرفة يقينية كشفية ذوقية لا دخل للعقل فيها ، لذلك فهي أشد ما تكون غموضا على العوام من غير أهل التحقيق ، فيقعون في الإنكار على أهلها وذلك لغموضها ورمزيتها وتعقيدها بالنسبة لعقولهم . إذن فهذه المعرفة هي من قبيل الوجدان الخاص فلا تتطرق إليها فهوم البشر العاديين ومن هنا كانت صعوبة المشاركة لهم والإنكار عليهم . لذلك يرفض ابن عربي فكرة العقل في علمه الصوفي ، ويؤيده في ذلك الجيلي بعدم صلاحية العقل لخوض مثل هذه الأمور الإلهية لتقصيره عن الإحاطة بها ، وقد أشار الشعراني إلى ذلك فقال : " من علامة العلوم اللّدنيّة أن تمجّها العقول من حيث إنكارها ، ولا يكاد واحد من غير أهلها يقبلها إلّا بالتسليم لأهلها من غير ذوق ، وذلك لأنها تأتي من طريق الكشف لا الفكر " « 2 » . وعلى هذا يمكننا القول أن التصوف الذي يمثله ابن عربي وعبد الكريم الجيلي على الصورة التي برزت في مذهب الوحدة الكاملة للوجود لديهما ، وعلى النحو الذي عايشاه في مجاهدتهما للنفس للتحقق بهذه الوحدة وإدراك حقيقتها ، جمع بين دفتيه الدين والعلم والأدب والأخلاق والفن وإن كان البعض يزعم أن فيه جانبا فلسفيا ، فهو الدين في جوهره ومثاليته لاعتماده على ما جاء به الشرع الحنيف ، واستناده إلى الكتاب والسنّة ، بعيدا عن نهج السلطة الدينية الرسمية التي طالما حكمت على الصوفية

--> ( 1 ) الشعراني ، الميزان الكبرى ، القاهرة ، 1925 ، ص . ص 28 - 29 . ( 2 ) الشعراني ، المصدر السابق ، ص . ص 28 - 29 .