سهيلة عبد الباعث الترجمان

774

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

بالكفر والزندقة والإلحاد . وهو علم لاحتوائه علوم الطبيعة وإدراكه لها في كل مناحيها وبكل ما تحويه من مظاهرها . وهو أدب لسمو النفس الصوفية ومطامحها العالية نحو الكمال والتخلّص من كل ما يعلق بها من أدران مادية لأنها فطرت على المحبة والطهر والعفة والحنين والشوق والآمال والآلام وما إليها من أوصاف النفس البشرية . وهو فن لما ينشده الصوفي من رؤية الجمال والجلال والحب التي يغمر قلبه ويجذبه نحو مثله الأعلى ، وتجتمع هذه جميعها في ذات اللّه الواحد الحق المنزّه عن النقص لأن الكمال صفة ذاتية للّه . أما من حيث هو أخلاق ، فلا أرفع من خلق الصوفي الوارث للنبي لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان خلقه القرآن وقد قال : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " « 1 » . ولما كان الاقتداء بالرسول هو أول مطمح للصوفي ، فخلقه خلق الكمال لأنه مستمد من خلق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . أما من حيث مزاعم من يدّعون أنه فلسفة ، فهو من حيث مباحث الصوفية في النفس الإنسانية وأسرارها وحقيقتها الوجودية ، وهذا أهم جانب لدى الصوفية لما قامت عليه علومهم من مجاهدة النفس وتطهيرها وتقويمها لما انطوت عليه من أمور السوء والشطط عن الطريق المستقيم وذلك بمعرفة أسرارها ومقوماتها وسبر أغوارها ، لكن ذلك لا يتم لديهم عن طريق الفلسفة المجردة بمعناها العقلي المعروف ، إنما عن طريق آخر هو الإدراك المباشر القائم على الكشف والذوق وهو فوق طور الإدراك العقلي الكلي في الإنسان ، القاصر عن إدراك مثل هذه الأمور ، وقد كشفت عنه بعض المدارس الصوفية « 2 » وقد بدأت مع الغزالي وامتدت لدى صوفية آخرين ومنهم ابن عربي والجيلي . وكما بيّنا من قبل أن مذهب الوحدة عند الشيخين لم يخرج عن نطاق الإسلام ولم يتعدا حدوده إلى أصول أخرى ، وذلك خلافا لمزاعم المستشرقين ممن ردّوه إلى أصول وأفكار أجنبية عنه ، ومتابعة بعض الباحثين لآرائهم رغم ما جاء في النص القرآني الصريح عن ذلك لقوله تعالى : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ

--> ( 1 ) الحديث : رواه الإمام مالك في الموطأ ، والإمام أحمد بن حديث معاذ بن جبل والطبراني من حديث جابر . سبق تخريجه . ( 2 ) عياد ( أحمد توفاق ) ، مرجع سابق ، ص 306 .