سهيلة عبد الباعث الترجمان
772
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
يقع على المطلوب اللهم إلا أن يكون ذا إيمان وتصديق وترك ما عنده ، وأخذ ما يلقي إليه الحق من التحقيق فهو المشار إليه بمن ألقى السمع وهو شهيد ، يعني يشهد بالإيمان ما يقال له حتى كأنه مشهود له عيانا لقوة الإيمان ، فالأول هو المكاشف وهو الذي له قلب ، قال تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ « 1 » " « 2 » . وجملة القول أن وحدة الوجود التي قال بها ابن عربي والجيلي هي وحدة روحية قائمة على الذوق والكشف ، ولما كان كليهما ينظر إلى الوجود على أنه الحقيقة الوجودية التي يقوم بها حقيقة كل موجود فإن نظرتهما إليه نظرة روحية لا مادية خلافا لنظرية الفلاسفة الذين يرون أن الوجود يجمع بين المادة والروح لأنّهما شيء واحد على حين يرى الصوفية أن العالم الظاهر لا وجود له حقا ، وإنما الوجود للّه تعالى ، فليس هو العالم وليس العالم هو اللّه « 3 » . كذلك فإنهما إنتهجا نهجا صوفيا بحتا جمعا فيه بين الحقيقة والشريعة ، كما التزما بالنص القرآني كما جاء في الكتاب والسنة في كل أقوالهم فكان تصوفهما تصوفا خالصا بعيدا عن أي تصور مادي . رغم أن هناك نواحي اتفاق كثيرة بين ابن عربي والجيلي ظهرت في أقوال الجيلي وتأييده لآراء ابن عربي وموافقته إياها ، ومتابعته فيها ، فقد ظهرت بعض نواحي خلاف في وجهات النظر من حيث الشكل لا المضمون ، خاصة في بعض القضايا والمسائل التي عالجها الجيلي من حيث : العلم والمعلوم ، والجبر والاختيار ، والخلق من العدم ، والقول بالصفات أنها عينه تعالى أو غيره ، كذلك ما ظهر من تباين في استخدام بعض المصطلحات التي أشارا بها إلى الخلق ، فقد استخدم الجيلي مصطلح التنزّلات للتجليات على حين استخدم ابن عربي من قبله مصطلح الفيض لشيوع هذا المصطلح بين فلاسفة عصره جريا على عادتهم . ورغم كل ذلك فإننا لا نعتبر هذه الخلافات ذات أثر كبير على تصوفهما لأنها خلافات في وجهات النظر فقط ، وليست على مستوى العقيدة والمذهب ، ولا تمس الجوهر أو المضمون .
--> ( 1 ) سورة ق ، الآية : 37 ك . ( 2 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 58 . ( 3 ) عزام ( عبد الوهاب ) ، التصوف وفريد الدين العطار ، البابي الحلبي ، مصر ، 1945 ، ص 80 .