سهيلة عبد الباعث الترجمان
771
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
هذه الطائفة الشريفة قول ذي جدل ومعارضة ، أن هذا إحالة لكلام اللّه تعالى وكلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإنه ليس بإحالة ، وإنما يكون إحالة لو قالوا لا معنى للآية الشريفة أو الحديث إلّا هذا الذي قلته ، وهم لم يقولوا ذلك ، بل يقررون الظواهر على ظواهرها مرادا بها موضوعاتها ، ويفهمون عن اللّه تعالى في نفوسهم ما يفهم بفضله ويفتحه على قلوبهم برحمته ومنّته " « 1 » كما يبيّن علو طريق القوم وعدم مخالفتهم للكتاب والسنة في كل ما يظهر في سلوكهم فلا يدع مجالا للشك في علومهم ، فقال في شرحه على الحكيم الترمذي : " واعلم أن ما ثمّ دليل يردّ طريق القوم ، ولا قادح يقدح فيها شرعا ولا عقلا ، وإنما يردّها من ردّها بالجهل بها ، فإن طريق القوم لا تنال بالنظر الفكري ، وإنما هي نور في القلب يحدث فيه باتّباع الكتاب والسنّة ، فيدرك الأمور يقينا لا ظنا وتخمينا " « 2 » لذلك ينبه ابن عربي من لا يعرف حقيقة هذا الأمر أنه لن يتحقق به إلا إذا ذاقه وعرف حقيقته لأنه لا سبيل لإثبات ذلك لا بدليل ولا برهان فقال : " فإن يعرض لك أيها الأخ المسترشد من ينفّرك عن الطريق فيقول لك : طالبهم بالدليل والبرهان ، يعني أهل هذه الطريقة فيما يتكلمون به من الأسرار الإلهية ، فأعرض عنه وقل له مجاوبا : ما الدليل على حلاوة العسل ؟ فلا بد أن يقول لك هذا علم لا يحصل إلّا بالذوق ، فلا يدخل تحت حد ولا يقوم عليه دليل ، فقل له : هذا مثل ذاك . . . " « 3 » وهو في هذا يتفق مع الجيلي في دور المعرفة الذوقية إذ لا وصول للمطلوب إلّا بها ، ومن لا ذوق له لا تحقق له لأن ذلك يستوجب الإيمان به والتصديق بصحته فقال مؤولا للآيات ومستندا إليها : " والعبارة الفهوانية « * » لا تحمل المعاني الذوقية إلّا لمن سبقه الذوق ، فهي مطيّة له لأنها لا تطيق أن تحمل الأمر على ما هو عليه ، ولكنها تأخذ منه طرفا ، فمن كان يعقوبي الحزن جلى عن بصره العمى بطرح البشير إليه قميص يوسف ، ومن لم يكن له ذوق سابق فلا يكاد
--> ( 1 ) عياد ( أحمد توفيق ) ، التصوف الإسلامي ، مكتبة الأنجلو المصرية ، 1970 ، ص . ص 135 - 136 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 136 . ( انظر الفتوحات المكية ، الباب الثالث والسبعين ، الجزء الثاني ، ص 68 ) . ( 3 ) ابن عربي ، التدبيرات الإلهية ، ص . ص 114 - 115 . ( انظر التفتازاني ، دراسات في الفلسفة الإسلامية ، ص 163 ) . ( * ) الفهوانية : خطاب الحق بطريق المكافحة في عالم المثال ، ( التعريفات ، ص 148 ) .