سهيلة عبد الباعث الترجمان
764
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
الأسماء ، وبرزخ « * » جامع فاصل بينهما ليتميز به الظهور عن البطون وهو الإنسان الكامل فالظهور مرآة للبطون ، والبطون مرآة للظهور ، وما كان بينهما فهو مرآة لها جمعا وتفصيلا " « 1 » . فهذا القول ذو دلالة واضحة على ما يقوم عليه مذهبهما وفي هذا عودة إلى التصوف السنّي بصورته الأولى مستندا إلى قوله تعالى : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ « 2 » . وهذا نتيجة الحب الإلهي الذي انتهى بهم إلى الفناء في اللّه فشهدوا الحقيقة التي تجلت لهم في قلوبهم ، وهي مقصودهم الأسنى وهدفهم الأسمى ، وهذا هو مفهوم وحدة الشهود لدى أصحاب النظرية ، وليس هو وحدة الصوفية في مشاهدتهم للحقائق الإلهية كما يعني البعض ، ذلك أن الصوفية ليسوا على قدم واحدة في أحوالهم ومواجيدهم وأذواقهم وذلك لتنوع المشارب وتعدد المراتب ، وما يصدق في حق الجيلي أنّ كلي المعنيين لا يتضمنان الحقيقة الكاملة التي يرمي إليها في كلامه . إذ أن الحقائق الإلهية لا يمكن الوصول إلى معرفتها إلا كشفا وشهودا ، وهذا ليس على درجة واحدة بين الصوفية بل هم متفاوتون فيه ، فيكون قصده من حقيقة مذهبه هو قوله في كشفه وشهوده : وهو شهود حقيقة الذات الإلهية في وحدتها التامة المتجلية بأنوارها في كل مظاهر الموجودات ، وذلك بنفي كل ما هو سواها في هذا المشهد ، فلا يدرك سوى حقيقة هذه الذات الواحدة التي ينتهي معها إلى القول " بوحدة الذات الإلهية " . ونظرا لاستخدام الجيلي وابن عربي للرمز والإشارة ، فقد أدّى ذلك إلى استغلاق المعنى الذي تحمله تلك العبارات على الفهم عند أهل الظاهر ، فرموهما بالكفر والزندقة ، والقول بالحلول والاتحاد مما ألّب عليهما الخواطر . فابن تيمية مثلا يقول في حقهم : " إن هؤلاء قد يقولون كما قال صاحب الفصوص ابن عربي ، أنهم يأخذون من
--> ( * ) البرزخ : يقول الجيلي أن البرزخ هو عالم الخيال وهو عالم المثال ، وهو عالم السمسمة ، والبرزخ هو قابلية البطون والظهور ، ( المراتب ، ورقة 6 ، ص أ ) . ويقول : البرزخ هو موت النفوس المعلومة بالرياضة والمجاهدة ، فهو برزخ لهم في الحقيقة ، ( نسيم السحر ، ص 25 ) . ويقول الجرجاني : هو الحاجز بين الأجساد الكثيفة وعالم الأرواح أي الدنيا والآخرة ، ( تعريفات ، ص 45 ) . ( 1 ) الجيلي ، مرآة العارفين ، مخطوط الأزهر ، القاهرة ، ورقة 10 - 11 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 115 م .